الصفحة 43 من 81

وقد أبعد الأستاذ سيزكين النجعة حين اعتبر تزكية الأئمة لراو وتلقيبه بـ"صاحب حفظ"أن ذلك مجرد تكريم له (1) ، بل إن ذلك له علاقة وطيدة بمنهج نقد الروايات والجرح والتعديل كما يعلم كل خبير بهذا الفن.

سابعا:قال الإمام الترمذي في كتابه:"العلل الصغير":"وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع…" (2) .

كل هذه الأمور تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن حفظ الصدر والذاكرة عند منهج المحدثين في النقد كانت تشكل بعدا عميقا في نظرية الإسناد بحيث يصعب الفصل بين هذه العناصر: ( الحفظ، الإسناد،النقد) .

الخلاصة.

احتل الإسناد مكانته العالية وتم التنظير العلمي له منذ وقت مبكر على يد المحدثين، وأشهر من نظر له من المتقدمين عبد الله بن المبارك.

تميز الإسناد بخصائص ذاتية أهلته أن يكون السمة العلمية التي يتميز بها أصحاب العلوم، كما أنه صار الأساس الذي بني عليه منهج النقد عند المحدثين

لقد تم تدرين الأحاديث وأسانيده منذ عصر مبكر، لكن حفظ الذاكرة كان عنصرا مهما في صيانة تلك الأسانيد إلى جانب المدونات، وقد قام منهج النقد عند المحدثين على اعتبار هذا الجانب في ضبط الراوي الذي يستخدم الإسناد في نقل النصوص حتى غدا معيارا لقبول أو رفض روايات النقلة.

منهج المحدثين في توثيق الإسناد ونقده.

لقد قامت نظرية الإسناد على أساس إتاحة أكبر قدر من عنصر الملاحظة لنقد الخبر والرواية، بحيث ينأى النقد عن مجرد الافتراضات والظنون والأوهام ، ولعل هذا ما يميز منهج المحدثين في النقد عن منهج الغربيين في النقد التاريخي.

فإن منهج النقد التاريخي عند الأوروبيين في أساسه منهج استردادي كما قال اندريه لالاند (3)

(1) - تاريخ التراث العربي. فؤاد سيزكين (1/242)

(2) - علل الترمذي ص 147 بشرح ابن رجب.

(3) - مناهج البحث عند مفكري الإسلام . علي سامي النشار. ص375

وينبغي الإشارة إلى خطأ الدكتور النشار في تصنيف علم مصطلح الحديث تحت المنهج الاستردادي باعتباره صنو المنهج البحثي التاريخي الحديث كما عرفه لانجلوا و سينوبوس، فمن عرضه يستبين أنه لم تحصل له صورة واضحة عن منهج المحدثين في النقد ا، إذ لم يزد على أن قال:"وقد توصل المسلمون إلى كل ما توصل أليه علماء مناهج البحث التاريخي…"وأثبت مجرد السبق ، لكن منهج المحدثين تفرد بنظريات ومجالات لم بتطرق إليها المنهج الأوروبي أصلا كما أنه يخالفه في البيئة التي نشأ فيها ويفارقه ببعد ديني وعمق أخلاقي فريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت