الصفحة 47 من 81

ولا نغالي إذا قلنا إن المنهج الأوروبي تخبط أيضا في آلية الرواية ونقلها عبر الرواة، ففي موضع من كتابهما يعتبر لانجوا وسينوبوس الأحداث التاريخية شديدة التعقيد وأنه من غير المحتمل مطلقا أن يرويها مشاهدان مستقلان بنفس الطريقة" (1) . لكن سينوبوس في رسالة له في النقد التاريخي يبدو أكثر نفهما حين يقول:"فالأقوال إذا اتفقت ، فإن اتفاقها ليس من الممكن عمليا أن يقع إلا لأنها تتفق مع الحقيقة الواقعية" (2) ."

إن هذا التخبط يعكس حجم المعوقات التي تخيلها المؤرخون الأوربيون حائلة بين المؤرخ وبين الملاحظة المباشرة ، ولقد فطن المحدثون لكل تلك المعوقات وذللوها وهيئوا للنقد مجالا علميا دقيقا وشفافا إلى أبعد الحدود.

إذا تبين لنا تفرد منهج النقد عند المحدثين بخصيصة الإسناد الذي جعلهم أقدر على الفحص والملاحظة المباشرة للرواية من غيرهم، نبين هنا مادة الإسناد وما يتكون منه ، ونبين الجهود التوثيقية (3) المصاحبة للرواية منذ صدورها عن صاحبها حتى تدوينها في الكتاب، ثم الجهود التوثيقية الأخرى التي ضمنت المحافظة على الرواية المدونة من الانتحال أو التحريف أو التصحيف.

(1) - السابق ص 71

(2) - رسالة سينوبوس في النقد بعثها لأحد أصدقائه وترجمها وطبعها عبد الرحمن بدوي ضمن مجموع النقد التاريخي ص (و) .

(3) - المقصود بالتوثيق في عرضنا لمنهج المحدثين: عملية التثبت واكتساب الثقة في الرواية ، وليس المراد المعنى اللغوي الظاهر أو الاصطلاحي في الجرح والتعديل وهو جعل أو اعتبار الراوي ثقة.وآثرنا استخدام هذا الاصطلاح الخاص للإيحاء بالمعنى العلمي المعاصر للتوثيق وهو فن معالجة المعلومات غير العددية ويقوم علي أساس سلسلة من العمليات في التجميع والتحليل والبحث والبث لأن ثمة أوجها من الشبه بين التوثيق عند المحدثين وهذا المعنى العلمي المعاصر. انظر ( أصول التوثيق. جاك شومييه. ترجمة أنطوان عبده ص 19. ط لبنان غير مؤرخة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت