فهرس الكتاب
ولقد كانت هذه السلسلة من الاحتياطات الدقيقة جزءا من عمليات التوثيق المتعاقبة، والتي تحتف بالرواية منذ حدوثها حتى تدوينها وتداولها.
وهذا كله تمهيد لعملية النقد التي سيجريها الناقد من خلال آليات أخرى أكثر تعقيدا وسنتعرض لها في محلها من نظريتي: الجرح والتعديل، والعلل.
فإذا دونت الرواية في كتاب واستقر نقل تلك الرواية عن طريق الكتاب، فإن المحدثين جعلوا للنقل والرواية حينئذ آلية توثيقية أخرى، هي القسم الثاني من عمليات التوثيق التي تستمر في سلسلة الإسناد حتى منتهاه.
القسم الثاني: توثيق الرواية منذ تدوينها إلى نشرها وتداولها عن طريق الأوساط العلمية.
تمر هذه العملية بمرحلتين:
المرحلة الأولى: ضبط مادة الكتاب (الوثيق) عن طريق إتقان كتابة محتوياتها ومقابلتها على النسخ الصحيحة المعتمدة.
المرحلة الثانية: المحافظة على تداول الكتاب رسميا عن طريق سماعه كله أو بعضه أو التنصيص عليه في الإجازات (1) .
(1) - إن كثيرا من العمليات التوثيقية التي ذكرناها ساقطة تماما من مجرد التفكير فيها- فضلا عن تطبيقها - لدى المنهج النقدي عند الأوروبيين، فكما أسلفنا أن نقدهم يبدأ منذ وجد أن الوثيقة أما قبل ذلك فهم على العكس من تراث المسلمين، يواجهون قدرا عظيما من الانتحال والتزييف والكذب يصل لدرجة تثير الشفقة، حتى إننا لا نتعجب حين نراهم- لتلك الأسباب- يمرون في مراحل النقد بعمليات فحص شديدة الوعورة والتعقيد، مع ابتناء منهجهم - كما في الوثيقة. يقول لانجلوا:"إن انتحال الكتب اليوم نادر، يحرمه القانون ويلطخ صاحبه بالعار أما قديما فقد كان عادة جارية مقبولة، لايعاقب صاحبها". مدخل إلى الدراسات التاريخية.لانجلوا سينوبوس.ص70. ونحن لن نندهش كثيرا من هذه الأخلاقيات المتدنية، فإن الشعوب التي لم تستطع أن تحافظ على نسخثين متشابهتين من كتابهم المقدس (الإنجيل) جديرون بأن يتقنوا الانتحال والكذب والتزييف لما هو أقل قدسية.