فهرس الكتاب
لقد جرت سنة المحدثين السلف أن يتلقوا الحديث عن شيوخهم سماعا بالإسناد المتصل من شيوخهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لما ألفت الكتب - طبعا - أسانيد من طريق شيوخه أيضا تصله بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيتم لهم اتصال السند بالنبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المنوال.
وهذه السنة أو الطريقة في تلقي الحديث الشريف وكتبه بالسند لا تكاد تتخلف عن كتاب من كتب السنة المطهرة، صغر ذلك الكتاب فجاء في صفحات معدودة أو كبر فجاء في مجلدات ضخام تبلغ العشرة أو العشرين أو تنقص قليلا أو تزيد قليلا.
فالأجزاء الحديثية - وهي ما يبلغ الواحد منها تقديرا نحو عشرين صفحة أو أكثر أو أقل - والكتب الحديثية - وهي ما يبلغ الواحد منها المجلد أو المجلدات الكثيرة - كلها تتجلى بإسناد سماعها من مؤلفها أو ممن روى عن مؤلفها من قرب أو بعد، فتكون تامة الصلة بين مؤلفها وراويها أو رواتها عنه، بشكل مطمئن إلى صحة نسبتها ونقلها وتلقيها وضبطها. (1)
ومن المهم أن ننقل هنا نموذجا من تلك السماعات التي تبين مستوى ما وصل إليه جهود المحدثين في توثيق النصوص وحفظها من الانتحال والتحريف.
سماع سنن البيهقي.
سنن البيهقي.. هذا الكتاب العظيم، والديوان الحديثي الفقهي الاستدلالي الحافل الضخم الكبير النادر المثال، يأتي في حوالي عشرة مجلدات ضخام، هذا الكتاب الضخم الفخم حظي بعناية الحافظ ابن الصلاح وقراءته وسماعه منه من أوله إلى آخره في 757 مجلس، وسمع المجلد الثامن منه عدد كبير: 93 محدثا في 90 مجلسا في مدينة دمشق في دار الحديث الأشرفية، التي بناها الملك الأشرف رحمه الله تعالى، وكان الحافظ ابن الصلاح أول من درس الحديث فيها.
(1) - صفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين. عبد الفتاح أبو غدة. ص99. وقد اشتهر عند المحدثين قولهم:"الأسانيد أنساب الكتب"أنظر: التأصيل بكر أبو زيد ص75.