فهرس الكتاب
وسنحاول من خلال هذا المبحث أن نتعقب نشأة الحديث المرسل وقضية الاحتجاج به لنحاول معالجة هذه الإشكالية في ضوء منهج النقد عند المحدثين.
لقد علمنا أن الإسناد نشأ مع انتشار النصوص الشرعية في عهد النبوة ووجدت النصوص التي تحصن على تبني مفهوم نظرية الإسناد.
لكن اعتماد التنصيص على رجال السند أمر لم يستقر في العهد المبكر لنشوء نظرية الإسناد، فكان الإسناد موجودا على الحقيقة ولكن في مقام الرواية كان يحدث بعض التساهل في ذكر السند.
وأساس ذلك أن الرعيل الأول لم يعرف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل احتاط من ذلك اشد الحيطة وخاف منه أشد الخوف حتى إنهم أقلوا من الرواية حذرا من الوقوع في الخطأ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عبد الله بن الزبير لأبيه ( الزبير بن العوام ) : إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان ، قال: أما وإني لم أفارقه، ولكني سمعته يقول:"من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار" (1) .
وقال ابن أبي ليلى: كنا إذا أتينا زيد بن أرقم، فنقول: حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:"إنا قد كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد". (2)
وقال شُرَحْبيل بن السمط لكعب:"يا كعب ابن مرة حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحذر". (3) وكان عمران ابن الحصين يتجنب التحدث كثيرا لئلا يقع في الخطأ (4) .
وكان بعضهم يثق في رواية بعض، وعولوا على رواية من كان يحضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان لا يحضر انشغالا بجهاد أو معاش أو نحو ذلك.
(1) - رواه البخاري (1/52)
(2) - رواه ابن ماجة في المقدمة حديث رقم 3
(3) - رواه ابن ماجة ( 2/843)
(4) - رواه أحمد بن حنبل في المسند (3/433)