الصفحة 76 من 81

فلما وقعت الفتن في أواخر عهد الصحابة وبداية انقراض وجودهم وابتدأ ظهور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف التابعون جميعا وقف حازمة من قضية الإرسال وإسقاط الواسطة وابتدأ التنصيص على رجال السند جميعا كأنه واجب يقتضيه تبليغ الحديث نفسه (1) .

ولكن عجزوا عن تداول ما حدثوا به من قبل على صفة الإرسال فمنهم من صار ينص على الصحابي الذي كان يسقطه ومنهم من كان يشك هل سمعه من صحابي أو غيره صحابي فيسكت عما أرسله قديما (2) فبقيت روايته المرسلة متداولة على إرسالها، ومن أسند شاعت روايته المرسلة المسندة، ومن التابعين من كان يثق في من يروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا وإن لم يكن صحابيا فلما حدثت الفتن ارتابوا فيما رووه عن المجاهيل فلم يعودوا لرواية ما سمعوه عنهم لكن كانت مراسيلهم تلك قد انتشرت أيضا (3) .

وعلى هذا يمكننا تقسيم أنواع المراسيل من حيث رجوع أصحابها عن روايتها على صورة الإرسال إلى ثلاثة أقسام:

(1) - وغلى هذا يشير قول محمد بن سيرين وهو من التابعين:"كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة…"ومضى تخريجه.

(2) - وعليه يحمل قول يحيى بن سعيد القطان:"لوكان فيه إسناد لصاح به"أي انه لشكه تورع عن ذكر الإسناد فاهمله ولم يعد لروايته. وهذا الحمل أولى من حمله على أنه رواه عن غير ثقة وأنه أسقطه تعمية ( كما قال ابن رجب الحنبلي ) لأن هذا يعد من تدليس التوبة ولم يقل أحد من أهل العلم أن من أرسل فهو مدلس ، والتدليس يضعف به الراوي ( خاصة التسوية) ولم يعرف عن أحمد ممن أرسل من التابعين أنه ضعف لذلك . ( انظر: شرح ابن رجب لعلل الترمذي ص 226) .

(3) - وعلى هذا يحمل قول محمد بن سيرين:"كان أربعة يصدقون من حدثهم: أبو العالية والحسن وحميد بن هلال ورجل آخر سماه" (شرح ابن رجب لعلل الترمذي ص 229) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت