فهرس الكتاب
ويوجد احتمال رابع يشمل كل تلك الحالات،وهي أن المراسيل كانت أحاديث تروى في مقام المذاكرة السريعة أو الموعظة المختصرة فكانت السرعة والاختصار في الموعظة تتطلب اختصار السند فينتشر عندئذ على هيئة الإرسال.
لعل هذا التفسير لتاريخ الإرسال وأسبابه يبين علة وجود المرسل مع استقرار نظرية الإسناد.
ولا يمكننا أن نذهب إلى أن نظرية الإسناد لم تكن واضحة المعالم بعد، أو أن التابعين تهاونوا في تطبيقها، لأن كل من أن أرسل من التابعين فإرساله هو النادر وإسناده هو الأكثر، فكيف نفسر الكثير بالقليل والنادر؟ إن الأوفق أن نحكم بالكثير على القليل لان النادر لا حكم له.
بل إن النظر السديد والتأمل العميق يؤدي إلى القول بان في وجود المرسل دليلا على استقرار نظرية الإسناد لا على اضطرابها وعدم وضوحها.
فاجتماعهم على تحبيذ الإسناد وعلى جعل المرسل هو الطارئ دليل على أنهم مزية الإسناد وفضيلته وما كان لأحد أن ينزع إلى المفضول مع قدرته على بلوغ الفاضل إلا عن ضرورة ملجئة أو علة وجيهة أو عذر من الأعذار يستوجب رفع المذمة ودرء النقيصة.
وهناك مسالك وجيهة لتفسير وجود المرسل لا يصح أن نضرب عن ذكرها صفحا، فإنها وإن كانت قاعدة عن تبرير جواز الإرسال صناعة إلا أنها ناهضة لتسويغ إعذار من أرسل تساهلا.
فمن ذلك ما روى الترمذي في العلل الصغير عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله ن مسعود، فقال: إبراهيم: إذا حدثتك عن الرجل عن عبد الله فهو الذي سميت، و إذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد (1) .فهذا منهج خاص واصطلاح مستقل للنخعي في الإرسال، أنه لا يرسل إلا حين يستفيض الرواة في النقل عمن يروى دلالة على بلوغ المنتهى في الثقة بالمنقول فيرويه عنه على هيئة المرسل اطمئنانا إلى صحة واستغناء بشهرته عن إسناده.
(1) العلل الصغير للترمذي ص 223بشرح ابن رجب