الصفحة 23 من 36

والرأي الثاني: يحد؛ لأن انتشار الآلة لا يكون إلا بشهوة واختيار، ثم يقول: ومأخذ الخلاف التردد في تصوير الإكراه في الزنا، والصحيح تصويره؛ لأن الانتشار تقتضيه الطبيعة عند الملابسة.

ومحل الخلاف في الرجل، أما المرأة فلا يجب عليها الحد قطعًا: ففي سنن البيهقي: «أن عمر أتى بامرأة جهدها العطش، فمرت على راع فاستسقته، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال علي: هذه مضطرة، أرى أن يخلى سبيلها [1] .

2 -الإكراه على القتل: أو إتلاف المال، فإذا أقدم المكره على القتل، فإنه يأثم؛ حيث آثر نفسه على غيره، وعليه القصاص [2] .

يقول الزركشي: إن هذا الإكراه، لا يرفع حكم القصاص، ولا يرفع الإثم عن المكره؛ لأن نفسه, ونفس من أكره على من يقتله مستويان في نظر الشارع، فإيثاره نفسه ناشئ عن شهوات الأنفس وحظوظها، ومحبتها البقاء في هذه الدار أزيد من محبتها لبقاء غيرها، وهذا ليس من نظر العقلاء، ولا الشرع الذي يتعبدون به [3] .

وفي «مغني المحتاج» : ولو أكرهه على قتل شخص بغير حق، فقتله, فعلى المكرِه القصاص؛ لأنه أهلكه بما يقصد به الإهلاك غالبًا، فأشبه ما لو رماه بسهم فقتله, وكذا يجب القصاص على المكرَه أيضًا في الأظهر؛ لأنه قتله عمدًا عدوانًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله المضطر؛ ليأكله بل أولى؛ لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل بخلاف المكرَه.

والثاني: لا قصاص عليه لحديث: «رفع عن أمتي الخطأ, والنسيان, وما استكرهوا عليه» , ولأنه آلة للمكرِه، فصار كما لو ضربه به، وقيل: لا قصاص على المكرِه؛ لأنه متسبب، بل على المكرَه فقط؛ لأنه مباشر، والمباشرة مقدمة [4] .

ولا يرث كل من المكرِه والمكرَه المقتول؛ لأن القاتل لا يرث من مقتوله مطلقًا عند الشافعية؛ لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «ليس للقاتل شيء» , فسواء أكان القتل عمدًا أم غيره، مضمونًا أم لا بمباشرة أم لا، مكرهًا أم لا [5] .

وبالنسبة لإتلاف المال، يباح للمكرَه إتلاف المال، بل يجب قطعًا، كما يجب على المضطر أكل طعام غيره, وضمان المال يكون على المكرِه [6] .

3 -الإكراه على الرضاع, وعلى الحدث: فإذا أكرهت امرأة حتى أرضعت خمس رضعات مشبعات، حرم رضاعها ذلك؛ لأن الحرمة بوصول اللبن إلى الجوف، حتى لو حلب قبل موتها، وشربه الصبي بعد موتها حرم, وإذا أكره شخص، فأحدث انتقض وضوؤه؛ لأن الانتقاض منوط بالحدث، وقد وجد [7] .

(1) «سنن البيهقي» : جـ8, ص: 236، الناشر مكتبة نزار الباز: و «مصنف عبد الرزاق» : جـ7, ص: 407 ط المكتب الإسلامي.

(2) «البحر المحيط» للزركشي: جـ1, ص:355، 363، و «جمع الجوامع» لابن السبكي, و «شرحه للمحلى» : جـ1, ص: 74، 75.

(3) «البحر المحيط» للزركشي: جـ1, ص: 363، 364.

(4) «مغني المحتاج» : جـ4, ص: 9.

(5) المرجع السابق: جـ3, ص: 25، 26.

(6) «الأشباه والنظائر» للسيوطي: ص:204،207.

(7) «البحر المحيط» للزركشي: جـ1, ص:364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت