الصفحة 27 من 36

المبحث الخامس

صور من الإكراه وآراء العلماء في حكمها

للإكراه صور متعددة، منها:

1 -بيع المكره:

ثمة خلاف بين العلماء في حكم بيع المكره ينحصر في ثلاثة آراء:

الرأي الأول: يفرق أصحاب هذا الرأي بين الإكراه بحق, وبين الإكراه بغير حق، فإذا كان الإكراه بحق، كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله؛ ليوفي ما عليه من ديون، فالبيع في هذه الحالة يكون صحيحًا, أما إذا كان الإكراه بغير حق، فالبيع يكون غير صحيح، لعدم الرضا, ومن ثم يكون هذا البيع أكلا لأموال الناس بالباطل، وهو منهي عنه، يقول الله ـ تعالى ـ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) [1] , وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إنما البيع عن تراض» [2] .

وهذا الرأي للشافعية والحنابلة:

ففي «مغني المحتاج» : لا يصح عقد مكره في ماله بغير حق؛ لقوله تعالى: (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) , أما الإكراه بحق، فيصح، إقامة لرضا الشرع مقام رضاه, وصوره في الروضة بمن عليه دين, وامتنع من الوفاء والبيع، فإن شاء القاضي باع ماله بغير إذنه؛ لوفاء دينه، وإن شاء عزره, وحبسه إلى أن يبيعه, ومن صور الإكراه بحق بيع المصادر - بفتح الدال- من جهة ظالم: بأن باع ماله؛ لدفع الأذى الذي ناله؛ لأنه لا إكراه فيه، إذ مقصود من صادر تحصيل المال من أي وجه كان [3] .

وفي «المغني» و «الشرح الكبير» : ومن شروط البيع: التراضي، وهو أن يأتيا به، أي: البائع والمشتري اختيارًا، لقول الله -تعالى: (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) , فإن كان أحدهما مكرهًا لم يصح؛ لعدم الشرط إلا أن يكره بحق، كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله؛ لوفاء دينه، فيصح؛ لأنه قول حمل عليه لحق، فصح كإسلام المرتد [4] .

الرأي الثاني: يرى أصحاب هذا الرأي، أن الإكراه إذا كان بحق، فالبيع صحيح لازم، كالإكراه على بيع سلعة؛ لوفاء ما عليه من ديون، وكبيع الدار؛ لتوسعة المسجد أو الطريق العام، أما إذا كان الإكراه على البيع إكراهًا بغير حق، فإن البيع ينعقد صحيحًا، ولكنه لا يكون لازمًا, ومن ثم فإن البائع يكون بالخيار بين إمضاء البيع، وبين رد الثمن للمشتري، وأخذ سلعته التي أكره على بيعها, وهذا الرأي للمالكية [5] .

الرأي الثالث: ومقتضى هذا الرأي: انعقاد بيع المكره؛ حيث إن الإكراه لا يمنع انعقاد أصل التصرف؛ لصدوره من أهله مضافًا إلى محله، إلا أنه يفسد لعدم الرضا، والرضا شرط من شروط صحة العقود, والدليل على أن الرضا شرط من شروط صحة

(1) النساء من الآية: 29.

(2) «صحيح ابن حبان» : جـ11, ص:340، و «موارد الظمآن» : جـ1, ص: 271، و «سنن البيهقي الكبرى» : جـ6, ص: 17.

(3) «مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج شرح الشربيني الخطيب على متن المنهاج للنووي» : جـ2, ص: 7، 8 مطبعة مصطفى الحلبي، و «زاد المحتاج بشرح المنهاج» للكهوجي: جـ2, ص: 6، و «كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار» للحصني الدمشقي: جـ1, ص: 455.

(4) «المغني, والشرح الكبير» : جـ4, ص: 5.

(5) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» : جـ6 مطبعة عيسى الحلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت