فهرس الكتاب
العقود، قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) إلا أن بيع المكره يثبت به الملك عند القبض عند الحنفية، خلافًا لزفر؛ حيث يرى أن بيع المكره لا يثبت الملك، لأنه بيع موقوف على الإجازة، والبيع الموقوف على الإجازة، لا يفيد الملك قبلها [1] .
ومن ثم لو أجاز المكره هذا البيع بعد أن زال الإكراه كان هذا البيع صحيحًا، وثبت به الملك، وهذا بالاتفاق؛ حيث إن رضاه قد تم بالإجازة.
يقول ابن عابدين في حاشيته: للمكره حق الفسخ والإمضاء، لفقد شرط الصحة وهو الرضا، فيتخير، فإن اعتبار هذا الشرط ليس لحق الغير، بل لحقه، ولهذا خالف سائر البيوع الفاسدة، فإن الفسخ فيها واجب عند فقد شرط صحة؛ لأن الفساد فيها لحق الشرع, وهذا العقد يفيد الملك بالقبض عند الأئمة الثلاثة «أبو حنيفة, وأبو يوسف, ومحمد» , وقال زفر: لا يثبت به الملك؛ لأنه بيع موقوف, وليس بفاسد كما لو باع بشرط الخيار وسلمه [2] .
2 -نكاح المكره:
ثمة خلاف بين العلماء في حكم نكاح المكره، ينحصر في رأيين:
الرأي الأول: مقتضاه: بطلان نكاح المكره والمكرهة، والقائل بهذا الرأي الأئمة الثلاثة «مالك, والشافعي, وأحمد بن حنبل» ؛ وذلك لأن الرضا شرط لصحة عقد النكاح لكليهما «الزوج والزوجة» , فإن لم يرضيا، أو لم يرض أحدهما لم يصح عقد النكاح.
ومما يدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» , وفي رواية ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها, والبكر تستأذن في نفسها, وإذنها صماتها» [3] .
وبما روي أيضًا عن خنساء بنت خدام الأنصارية: «أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرد نكاحها» [4] .
ولكن ثمة استثناء من هذه القاعدة عن الأئمة الثلاثة بالنسبة للأب, فإنه يجوز له تزويج أولاده الصغار, والمجانين بدون إذنهم, ولو كان على سبيل الإكراه كما أجازوا للسيد تزويج مماليكه بدون إذنهم, ولو جبرًا عنهم [5] .
(1) يقول الكاساني: شبهة زفر: أن البيع الفاسد لا يحتمل الجواز بالإجازة كسائر البياعات الفاسدة, فأشبه بيع الفضولي، ومن ثم يوجب توقف البيع على الإجازة.
ووجهة نظر الأئمة الثلاثة: إن ظواهر نصوص البيع عامًا مطلقًا من غير تخصيص وتقييد؛ ولأن ركن البيع, وهو المبادلة صدر مطلقًا من أهل البيع في محل, وهو مال مملوك للبائع, فيفيد الملك عند التسليم كما في سائر البياعات الفاسدة، ولا فرق سوى أن المفسد هناك لمكان الجهالة أو الربا، أو غير ذلك, وهنا الفساد لعدم الرضا طبعًا، فكان الرضا طبعًا شرط الصحة لا شرط الحكم، وانعدام شرط الصحة لا يوجب انعدام الحكم كما ف سائر البياعات الفاسدة، إلا أن سائر البياعات لا تلحقها الإجازة؛ لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا, ونحو ذلك، فلا يزول برضا العبد، وهاهنا الفساد لحق العبد, وهو عدم رضاه, فيزول بإجازته, ورضاه. «بدائع الصنائع» للكساني: جـ7, ص:186.
(2) «حاشية ابن عابدين» : جـ6, ص:130، 131، و «درر الحكام في شرح غرر الأحكام» : جـ2, ص:271، و «نتائج الأفكار تكملة فتح القدير» : جـ9, ص:233, وما بعدها.
(3) «صحيح مسلم بشرح النووي» : جـ9, ص: 202، 204.
(4) «صحيح البخاري بشرح فتح الباري» : جـ9, ص:194 (باب النكاح) .
(5) «مغني المحتاج» : جـ3, ص:147، ص:150، وفي ص:149:"وللأب تزويج البكر صغيرة أو كبيرة بغير إذنها، ويستحب استئذانها، وليس له تزويج ثيب إلا بإذنها، فإن كانت صغيرة لم تزوج حتى تبلغ، والأب كالجد عند عدمه", ومثل هذا في «زاد المحتاج» : جـ3, ص: 188، وفي «كفاية الأخيار» : جـ2, ص:97، و «بداية المجتهد» : جـ2, ص:4، و «كشاف القناع» : جـ5, ص: 31 - 33.