فهرس الكتاب
الرأي الثاني: مقتضاه: صحة نكاح المكره؛ حيث إنه من التصرفات التي لا تحتمل الفسخ, وتتوقف على القصد والاختيار، ولا تتوقف على الرضا، بدليل أن النكاح لا يبطل بالهزل، ومن ثم لا يبطل بالإكراه, وفي «شرح المنار» [1] : إن كان القول مما لا ينفسخ, ولا يتوقف على الرضا لم يبطل بالكره، وينفذ على المكره، كالطلاق ونحوه، مثل: العتاق، والنكاح، والرجعة؛ فإن هذه التصرفات لا تحتمل الفسخ، وتتوقف على القصد والاختيار دون الرضا، بدليل أنها لا تبطل بالهزل، فلا تبطل بالكره [2] .
وفي «بدائع الصنائع» : «الإكراه لا يؤثر في النكاح» [3] .
وفي «أصول البزدوي» : لا يتوقف النكاح على وجود الرضا، والاختيار لم يبطل بالكره, فكما أن النكاح لا يبطل بالهزل, فلا يبطل بالكره [4] .
3 -طلاق المكره:
للفقهاء في طلاق المكره رأيان:
الرأي الأول: طلاق المكره لا يقع، ومن أصحاب هذا الرأي؛ الأئمة الثلاثة «مالك, والشافعي, وأحمد بن حنبل» [5] .
واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:
أولًا: بقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» [6] .
والإغلاق هو الإكراه؛ حيث إن المكره مغلق عليه في أمره، مضيق عليه في تصرفه.
(1) «شرح المنار» لابن ملك: ص: 994.
(2) يعلق الرهاوي في «حاشيته على المنار» ص:994: على قياس الإكراه على الهزل، فيقول: ولقائل أن يقول: اختيار السبب, والرضا به حاصل في الهزل بدون الفساد، بخلاف الإكراه، فإنه لا رضا فيه بالسبب أصلًا، واختيار السبب موجود مع الفاسد, فلا يلزم من الوقوع في الهزل في الإكراه؛ لعدم الجامع، فيمكن أن يجاب: بأن في كل من الهزل, والإكراه اختيار السبب, والحكم, والرضا بكل منهما، إلا أن الإكراه أقوى من جهة أن الحكم هو المقصود, والسبب وسيلة إليه، فإن الاختيار هو المعتبر في علية الأحكام، ونفاذ التصرفات، والرضا قد يكون, وقد لا يكون، وفساد الاختيار لا يوجب المرجوحية؛ لأن الفاسد بمنزلة الصحيح فيه لا يحتمل الفسخ.
(3) «بدائع الصنائع» للكاساني: جـ7, ص: 185.
(4) «أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار للبخاري» : جـ4, ص: 1508 طبع حسن حلمي الريزوي 1307هـ, ويقول البخاري في نفس الجزء والصفحة: وقد شبهه بعض مشايخنا بالهزل؛ لأن الهزل يعدم الرضا، بحكم السبب مع وجود القصد والاختيار في نفس السبب, وشبهه بعضهم باشتراط الخيار، فإن شرط الخيار يعدم الرضا بحكم السبب دون نفس السبب. كذا في «المبسوط» ، فقال الشيخ: هو دونهما, ودون الخطأ؛ لأن في الهزل, وشرط الخيار عدم اختيار الحكم, والرضا به أصلًا، وإن وجد الرضا بالسبب، وفي الخطأ الاختيار موجود تقديرًا لا تحقيقًا، فأما في الإكراه, فالاختيار في السبب والحكم موجود حقيقة, وإن كان فاسدًا، فكان دون تلك الأشياء في المنع، وأقرب إلى فعل الطائع منها، فكان تصرف المكره أولى بالاعتبار من تصرف الهازل, والمخطئ.
(5) وممن يرى عدم وقوع طلاق المكره أيضًا: ابن حزم الظاهري، وابن قيم الجوزية. «المحلى» لابن حزم: جـ10, ص: 202، و «أعلام الموقعين» : جـ4, ص:51؛ حيث نسب ابن قيم الجوزية عدم وقوع طلاق المكره إلى جمهور الأمة من الصحابة, والتابعين, ومن بعدهم , ثم قال: وهو قول أحمد, ومالك, والشافعي, وجميع أصحابهم: وفي ص:52 من نفس المرجع والجزء، ذكر أقوالًا كثيرة لبعض الصحابة تؤيد عدم وقوع طلاق المكره، كعلي, وابن عباس, وابن عمر, وابن الزبير ـ رضي الله عنهم ـ. وفي «نهاية المحتاج» : جـ3, ص:289, ولا يقع طلاق مكره بغير حق, وينظر أيضًا: حاشية الدسوقي على الشرح الخبير: جـ2, ص:374, و «كشاف القناع» : جـ5, ص:186, وما بعدها.
(6) «سنن أبي داود» : جـ2, ص: 258، 259، و «سنن ابن ماجة» : جـ1, ص: 660.