فهرس الكتاب
وبقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «رفع عن أمتي الخطأ, والنسيان, وما استكرهوا عليه» [1] , فهذا الحديث قد بين أن حكم كل ما استكره عليه المكلف يكون عفوًا.
ثانيًا: المكره لم يقصد وقوع الطلاق، وإنما قصد أن يرفع الضرر, والأذى عن نفسه فقط [2] .
الرأي الثاني: للحنفية؛ حيث يرون وقوع طلاق المكره, واستدلوا على رأيهم هذا بما يأتي:
أولًا: لأنه قصد إيقاع الطلاق في منكوحته في حال أهليته, فلا يعرى عن قضيته، أي: حكمه؛ لئلا يلزم تخلف الحكم عن علته.
فالمكره عرف الشرين «الهلاك والطلاق» , واختار أهونهما، واختيار أهون الشرين آية القصد والاختيار، إلا أنه غير راض بحكمه, وذلك غير مخل به [3] .
ثانيًا: قياس طلاق المكره على طلاق الهازل [4] ، فكما أن الهازل يقع طلاقه مع أنه لا يقصده, وإنما يقصد العبث واللعب، فمن باب أولى وقوع طلاق المكره؛ لأنه يقصد وقوع الطلاق [5] .
ثالثًا: ما رواه محمد بإسناده عن صفوان بن عمرو, والطائي أن امرأة كانت تبغض زوجها، فوجدته نائمًا، فأخذت شفرة وجلست على صدره، ثم حركته، وقالت: لتطلقني ثلاثًا, وإلا ذبحتك، فناشدها الله، فأبت، فطلقها ثلاثًا، ثم جاء إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسأله عن ذلك، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا قيلولة في الطلاق» ، وروي أيضًا عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:"أربع مبهمات مقفلات ليس فيهن رد، النكاح، والطلاق، والعتاق، والصدقة".
وقد نظم الكمال بن الهمام بيتين جمع فيهما جميع ما يثبت مع الإكراه أحكامه, وهي عشرة تصرفات: «النكاح، والطلاق، والرجعة، والإيلاء، والفيء، والظهار، والعتاق، والعفو عن القصاص، واليمين، والنذر» .
يصح مع الإكراه عتق ورجعة نكاح وإيلاء طلاق مفارقي
وفيء ظهار واليمين ونذره وعفو لقتل شاب عنه مفارقي [6]
(1) «سنن ابن ماجة» : جـ1, ص: 965، و «سنن البيهقي» : جـ7, ص: 356.
(2) «نهاية المحتاج» : جـ3, ص: 289، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» : جـ2, ص: 374، و «كشاف القناع» : جـ5, ص: 186، 187، و «بدائع الصنائع» : جـ7, ص: 182.
(3) «الهداية, وفتح القدير» : جـ3, ص: 488، 489.
(4) لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «ثلاث جدهن جد, وهزلهن جد: الطلاق, والنكاح, والعتاق» «سنن ابن ماجة» : جـ1, ص:658، و «سنن الترمذي» : جـ3, ص:490، و «سنن أبي داود» : جـ1, ص: 507.
(5) «فتح القدير» للكمال بن الهمام: جـ3, ص:489، يقول صاحب «شرح العناية على الهداية» نفس الجزء والصفحة: فإن قيل: بين المكره, والهازل فرق، وهو يبطل القياس، وذلك؛ لأن المكره له اختيار فاسد، وللهازل اختيار كامل، والفاسد في حكم العدم، فلا يلزم من الوقوع في الهازل الوقوع في المكره.
أجيب: بأن الهازل اختيارًا كاملًا في السبب، وما في حق الحكم, وهو المقصود من السبب, فلا اختيار له أصلًا، فكان اختيار الهازل أيضًا غير كامل بالنظر إلى الحكم، فكانا متساويين، فكان اعتبار أحدهما بالآخر جائز.
(6) «فتح القدير» : جـ3, ص:489.