وكما هو معلوم أن الحياة الدنيا ليست دار جزاء، فمن الممكن أن نرى المحسن وقد سُلب حقه من غيره، وأوذي من المفسدين أشد الإيذاء ممن هو أشد وأقوى منه من الجبابرة والطغاة، وذلك إلى أن يموت دون أن يستطيع الانتقام لنفسه أو ردًّا لحقه.
إذن، فلا بد من دار آخرة تكون دار جزاء، ليستقيم فيها هذا الأمر، حيث يُرد للمظلوم حقه من الظالم وأن يُجازى المُحسن بإحسانه في الدنيا إحسانًا من الله تعالى في الآخرة، وأن يجازى المسيء بإساءته في الدنيا السوء في الآخرة كعقاب له.
وهذا مما تتوافق معه الفطر السوية والعقول الرشيدة، بل وتتطلع إليه، وهذا هو ما أقره الله تعالى في صيغة سؤال استنكاري، في قوله جل وعلا:
{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] .
{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ*مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35، 36] .
فالفِطَر السوية والعقول الرشيدة تنفي أن يتساوى الصالحون مع المفسدين.
ومن جانب آخر: فإن الآخرة تُعد ضرورة خُلقية.
حيث إنه إذا لم يكن هناك دار آخرة للجزاء، للثواب والعقاب، لَمَا كان التمسك بالأخلاق الحميدة والصفات الحسنة التي لا تَصلُح المجتمعات إلا بها؛ لأنه في حال انعدام الدار الآخرة، يتساءل الإنسان الأمين في نفسه -كمثال افتراضي-: لِمَ التمسك بهذه الصفة (الأمانة) ، وقد كان من الممكن أن أُحَصِّل من المنافع كذا وكذا .. لولا التمسك بها؟!
فإذا لم يكن هناك دار آخرة يلقى فيها الإنسان أجره جزاءً لتضحيته بما قد يُعَد من المصالح والمنافع الدنيوية في حال تمسكه بالأمانة وغيرها من الصفات الحسنة والأخلاق الحميدة -كما كان التمسك بهذه الصفة وغيرها- بل ويُعَدُّ حينئذ التخلي عنها وعن غيرها في حال جَلْبِ المصالح والمنافع الدنيوية أَوْلَى بالنسبة له.