فالحق واحد لا يشاكله ولا يخالطه باطل، حيث إنه - الحق - يتوافق مع الفطرة السوية السليمة للإنسان، ولا يختلف فيه لبيبان، ذوا عقل صريح وافر، رشيد راجح، وقد أشرنا إلى ذلك بإيجاز، منا سبق.
حال الأمم والشعوب عند خضوعها لنفوذ الله عز وجل وسلطانه، واتباعهم وتمسكهم بالحق:
لما قد أشرنا إليه في السابق، فإن الأصل: أن يكون الناس جميعًا على دين واحد، وهو الإسلام حيث:
يؤمنون بوحدانية الإله الخالق وعظيم صفاته وطلاقة قدرته دون أن يُنسب إليه ما يعيبه في ذاته أو يُنقص من كمال صفاته.
يؤمنون بجميع الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله تبارك وتعالى لدَعْوة خَلْقِه وهدايتهم إلى صراطه المستقيم، بعد أن ضلّوا وزغوا عنه، وذلك إذا ما بُينت لنا الدلائل والشواهد التي تدل وتشهد بنبواتهم وصدق دعوتهم ورسالاتهم، فلا ينكروا رسالة أحدهم، ولا يفرقوا بين أحد منهم اتباعًا للأهواء، على أن يتبعوا آخر نبي أو رسول بُعث إليهم فيما جاء به من الشريعة الإلهية.
يؤمنون بجميع الكتب السماوية المُنزّلة من الله عز وجل على أنبيائه ورسله، والتحاكم إليها، دون إنكار أو جحود أيّاَ منها، إلى غير ذلك.
وينتج من ذلك كله: خضوع جميع الأمم والشعوب لسلطان الله جل وعلا، والتحاكم إليه وتطبيق شرعه والالتزام بنهج الأنبياء والمرسلين.
ولكن ما حدث: أن تفرق الناس واختلفوا تبعًا لأهوائهم وشهواتهم، وفساد فطرتهم وعقولهم، وزاغوا عن صراط الله المستقيم، ولقد بيًّن الله عز وجل ذلك في قوله تعالى:
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:52، 53] .