الصفحة 31 من 214

وكون هذه المخلوقات العظيمة بهذا النظام البديع المتناسق، الذي لا يتعارض، ولا يتصادم، لا يمكن أن يكون صدفة؛ لأن الواقع ?الذي يقع- صدفة تكون تغيراته غير منتظمة؛ لأنه كله صدفة.

وأما هذا الوجود أوجد نفسه، فظاهر ومعلوم استحالته أيضًا؛ لأن هذا الوجود قبل أن يُوجَد ليس بشيء، بل هو عدم، والعدم لا يمكن أن يوجد معدومًا.

وأما كونه وُجِد من غير مُوجِد، فهو بمعنى قولنا: إنه وُجِدَ صدفة، وهذا كما سبق مستحيل.

بقي أن نقول بالقول الحق -القول الرابع-: إن هذا الوجود وُجِد بمُوجِد، وهو الله عز وجل, كما قال الله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36] .

إذن فهذا الكون دلَّ عقلا على وجود الله سبحانه وتعالى. [1]

ثانيا: وأما دلالة الفطرة:

فكما أشرنا سابقًا، أن دلالة الفطرة أظهر من أن تحتاج إلى دليل؛ لأن الإنسان بفطرته يؤمن بربه، ولهذا لو وقع على أي إنسان في الدنيا شيء بغتة، وهذا الشيء مهلك له، لكان يقول بلسانه من غير أن يشعر: يا الله، أو: يارب أو ما أشبه ذلك، مما يدل على أن الغريزة الفطرية جُبلت على الإيمان بوجود الله عز وجل. [2]

ولقد لفت القرآن الكريم أنظارنا إلى هذا الاعتراف الفطري، حيث قال تعالى في صيغة الاستفهام التقريري: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} ... [النمل: 62]

(1) فقه العبادات، ابن عثيمين.

(2) فقه العبادات، ابن عثيمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت