الصفحة 51 من 214

ولذلك، فإن من يتمسك بمثل هذه الفضائل والقيم الخُلُقية، إذا كان فيها خسارة لبعض المكاسب الدنيوية، يقول في نفسه:

عَلامَ وفِيمَ التضحية بمثل تلك المكاسب الدنيوية وضياع مثل تلك اللذة العاجلة إذا لم يكن هناك جزاء لِما تمسكت به من فضائل وقيم خُلُقية؟!

وعندئذ يُمحى نور الخير من هذا الكون، ولا يبقى إلا الظلام الحالك الذي تتلاشى فيه معايير الخير والشر، حتى إن إبادة الناس بالقنابل لا تُعدّ ظلمًا، لأنهم سوف يلقون حتفهم في يوم ما، ولا إله محاسبًا للظالمين على أفعالهم، أو رادًّا للمظلومين حقوقهم.

إن المُلحد المنكر لوجود الإله الخالق حين يتمسك ببعض من هذه القيم الخلقية كالصدق والأمانة والعدل مثلا، فإنه بذلك يتناقض مع مقتضيات مبدئه، حيث إنه لا يصدق صدقًا يفوِّت ويُضيِّع عليه مصلحة ما إلا في حين تخليه مؤقتا عن مبدئه أو عن عقله.

أما المؤمن الذي يؤمن بالله سبحانه وتعالى الخالق لكل شيء، فالأمر بالنسبة له عكس ذلك تمامًا.

فهو حين يكذب مثلا، فإنه يكون قد سلك سلوكًا يتناقض مع مبدئه وعقله، وحين يصدق فإنه يكون موافقا لهما، وكذلك موافقا لفطرته.

حيث إن الناس مفطورون على أن هذه القيم الخلقية قيم يحسن أن يلتزموا ويتمسكوا بها، فهي جزء من تكوينهم العقلي، وهم يشعرون لذلك -ما داموا محتفظين بفطرتهم- بالفرح والسعادة، وإذا ما تخلوا عن التمسك بمثل هذه القيم فإنهم يشعرون بالحزن والشقاء.

مِمَّا يُدلِّل على أن إيداع مثل هذه القيم الخلقية في فطرتهم لا بد وأن يكون من مودع حكيم، ولا بد وأن يكون من فاطرٍ لهذه الفطرة السوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت