وأيضًا: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله -وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع خلقه، وعلم سرهم وعلانيتهم، من غير أن يكون في شيء مما خلق. [1]
كان ذلك تمثيلا عقليًّا لما قد ذكرنا من أجل تقريب المعنى في الأذهان، وهو الذي يقبله الصريح السليم.
ولنتأمل هذا القدر العظيم من تعظيم المسلمين لهذا الإله الخالق العظيم في الشريعة الخاتمة التي جاء بها النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، مُنزها له جل وعلا في ذاته وصفاته وأسمائه.
وكم يبلغ توافق تعظيم المسلمين لله تعالى مع الفطرة السوية التي فُطِر الإنسان عليها من إلهه وخالقه.
وكم يبلغ توافق تعظيم المسلمين لله تعالى مع العقل السليم الصريح الذي منحه الله تبارك وتعالى للإنسان ليتعرف به على عظيم صفاته جل وعلا ويشهد بها، فلا يقبل أو يرضى ما يَعيبُها أو ينقص من قدرها وشأنها.
فلم يُعَظَّم الله جل وعلا حق التعظيم إلا في شريعة الإسلام التي جاء بها النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وسوف نُدلِّل على ذلك بمشيئة الله تعالى عن طريق توضيح بعض مما قد نسبته أهل الأديان الباطلة، وأهل الرسالات السابقة بعد تحريفها -النصرانية واليهودية- من صفات مَعِيبة مذمومة للإله الخالق جل وعلا.
(1) منهج الجدل والمناظرة في تقرير الاعتقاد، الدكتور/ عثمان علي حسن.