فهرس الكتاب
والمرة الثانية هي عندما دخل سيف الدولة حلب، وأصبح أكثر أهلها من الشيعة بعد أن استباحها البيزنطيون عام /351/ هـ ودمروها. إذ يذكر ابن العديم صاحب بغية الطلب [1] أنّ سيف الدولة نقل إليها جماعة من الشيعة من حرّان، فغلب على أهلها التشيع بعد أن ظلت في أغلبها على مذهب أهل السنة على الرغم من تشيع الحمدانيين. ولكنه في هذه المرة أيضًا لم يحقق مذهبه السياسي الديني في الإمامة.
ولعل انشغال سيف الدولة / المؤسسة والدولة في غزواته وحروبه الخارجية والداخلية ما كان يسمح له بتحقيق ذلك، هذا إذا افترضنا أنه كان شيعيًا متحمسًا لمذهبه وهو خلاف ما يراه الدكتور مصطفى الشكعة [2] ، إذ ينقل عن أغلب المؤرخين أن تشيع الحمدانيين كان خفيفًا أو أنه كان تشيع تفضيل وتعاطف. فلماذا لم يفعل سيف الدولة ما يمليه عليه مذهبه في الإمامة؟ وإذا افترضنا أنه بثقافته العربية الخالصة التي يسيطر عليها الخطاب الأدبي كان يجهل مبدأ الإمامة فإن صلته بالفارابي الذي كان قد بدأ بتأليف كتابه آراء أهل المدينة في بغداد عام /330/ هـ، وأتمه في دمشق بعد عام، تجعلنا نعتقد باطلاعه على هذا الكتاب، أو على الأقل بمعرفة مضمونه السياسي وما يقدمه من صورة رئيس المدينة/ الإمام الحكيم.
إلا أن تأثير الفارابي/ المثقف في سيف الدولة/ السلطة لم يكن كبيرًا في أرجح الأحوال. فالفارابي لم يكن سياسيًا، ولم يحاول الدخول في السياسة، ولكنه قدم صورة متكاملة للمدينة الفاضلة المنسجمة مع العقيدة الإسلامية، تمثل نموذجًا إسلاميًا شيعيًا فلسفيًا.
(1) ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، تح/ د. سهيل زكار، دمشق، 1988،
(2) الشكعة، د. مصطفى، سيف الدولة الحمداني، دار القلم، 1959، ص/ 166.