فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 166

إن ما شهده عصر الفارابي من تسارع في تمزق الدولة الإسلامية وفوضى سياسية حكمت الخلافة في بغداد دفع هذا المثقف الفذ إلى وضع تصوره لإنقاذ هذه الدولة من خلال الابتعاد عن نظام الفرد/ المؤسسة القائم على القوة، وتكريس مبدأ المؤسسة المتمثلة في الفرد، والقائمة على العقيدة بحسب المذهب الإمامي، ولذلك فإنّ هذه المؤسسة لن تسقط بزوال الفرد الذي يمثلها، على حين أنّ الفرد/ المؤسسة يمثل الدولة، وستزول دولته بزوال مؤسسته، وهذا ما يؤكّده تاريخ الحضارة الإسلامية السياسي، وقد سقطت دولة سيف الدولة في حلب بوفاته.

إنّ الرئيس في المدينة الفاضلة هو صورة الإمام المعصوم في المذهب الاثني عشري، إلا أنه ليس الحاكم بأمره الفرد المطلق، كما قد يُظن، إذ إن على هذا الرئيس كما يرى الفارابي أن يأخذ بالشرائع والسنن التي شرعها هو نفسه وأمثاله ممن سبقوه، إن كانوا توالوا في المدينة. ومن صفات هذا الرئيس الأساسية أن يكون تابعًا لمرجعية ثابتة هي الشرائع والسنن، وأن يحتذي بأفعاله كلها حذو هذه الشرائع والسنن. وهو في استنباطه واجتهاده يجب أن يكون محتذيًا حذو الأئمة الأولين [1] ، ولا بأس، في إطار المؤسسة، أن يكون للمدينة رئيسان إذا لم تجتمع كل الصفات في رجل واحد. أما إذا وجدت الصفات متفرقة كل واحدة في رجل فكانت الحكمة في واحد، والعلم بالشرائع السابقة في واحد، وجودة الاستنباط في واحد، وجودة الرويّة والقول في واحد، وكانوا متلائمين فلا بأس أن يكونوا هم الرؤساء الأفاضل.

(1) الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، ص/ 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت