فهرس الكتاب
وأخذ الكلامَ الأحدبُ، فقال: أيها الرجل سُئِلتَ عن كلام مفهوم فطرحتَه في الاحتمالات، وليس ذلك بجواب، وجوابُه إذا سُئِلْتَ أن تقول: نعم أو لا.
قال القاضي: فأحفظني كلامه لما لم يوقرني توقير الشيوخ، وقلت له: يا هذا أنت نائم ورجلاك في الماء؛ إنما طرحتَ السؤال في الاحتمالات، وقد بينتُ لك الوجوه المحتملة؛ فإن كان معك في المسألة كلام فهاته، وإلا تكلم في غيرها. فأعاد الكلام الأول، فقال الملك: أيها الشيخ قد بيّن الاحتمال، وليس لك أن تعيد عليه، ولا أن تغالطه، ولا جمعتكم إلا لفائدة، لا للمهاترة ولما لا يليق بالعلماء.
ثم التفت الملك إلى القاضي وقال له: تكلم على المسألة. فقال القاضي: ما لا يطاق على ضربين: أحدهما لا يطاق للاشتغال عنه بضده كما يقال فلان لا يطيق التصرف لاشتغاله بالكتابة، وهذا سبيل الكافر أنه لا يطيق الإيمان لاشتغاله بالكفر، وهو ضده؛ وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزًا، وقد أثنى الله تعالى على من سأله ألا يكلفه ما لا يطيق؛ فقال عز وجل:"ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، لأن الله تعالى له أن يفعل ما يريد. ثم تجاوز الأحدب الكلام إلى غيره وتكلم معه القاضي ومال الملك إلى قوله.
ثم التفت الملك فقال: سلوا أبا إسحاق النصيبيني عن مسألة الرؤية، فأنكر رؤية الله تعالى في الآخرة وسئل ما حُجَّته فقال:"كل شيء يرى بالعين فيجب أن يكون في مقابلة عين الرائي"، فالتفت الملك إلى القاضي أبي بكر فقال القاضي أبو بكر: لا يُرى بالعين، فعجب الملك من قوله، وقال قاضي القضاة: فإذا لم يُر بالعين فبماذا يرى؟ فقال القاضي: يُرى بالإدراك الذي يحدثه الله تعالى في العين وهو البصر. ولو كان يرى المرئي بالعين لكان يجب أن يرى بكل عين قائمة، وقد علمنا أن الأجهر عينه قائمة، ولا يرى بها شيئًا. فقال النصيبيني: لم أعلم أنه يقول هذا، وظننت أنه يسلم بقولي.