فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 166

إذا سلمنا بصحة الروايات التي نقلت إلينا هذا النص، فإننا نعتقد أن عضد الدولة ما كان يهمه من جمع العلماء في مجلسه للمناظرة إلا الجانب السياسي في الأمر. فقد حدث ما ذكره القاضي عياض في شيراز قبل قدوم عضد الدولة إلى بغداد ليصبح السلطان في العراق وبلاد فارس. فهو واحد من أولئك السلاطين الأتراك والبويهين والسلاجقه الذين سيطروا على الخلافة عمليًا، ولم يكونوا من أصل عربي، أو من آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ولذلك فقد كانوا بحاجة إلى دعم ممثلي النظام الكوني في المجتمع لمد نفوذهم السياسي. ومن المشروع أن نتوقع أن يكون طموح الملك الشاب للملك كبيرًا، يتجاوز حدود نفوذه في بلاد فارس، ليمتد بشكل رئيسي إلى العراق مركز الخلافة آنذاك. ذلك أن سيطرته على بغداد تعطيه الشرعية السياسية التي كان يمنحها الخليفة نفسه عندما كان يمنح من يستولي على بغداد لقب سلطان. وقد كان هؤلاء السلاطين في مقابل ذلك، يعدون بالحفاظ على حياة الخليفة، وبترك يده مطلقة في أملاكه، وإن كانوا في أغلب الأحيان لا يفون بوعودهم تلك، تحت ضغط مصالحهم السياسية أو المادية. وقد كان عضد الدولة ذا دهاء سياسي وذكاء عسكري. وكان يعتقد، في رأينا ، أن خطته في الوصول إلى بغداد ستصبح سهلة التنفيذ إذا استطاع الحصول على دعم ممثلي النظام الكوني في العراق، ولاسيما من أهل السنة، نظرًا لأنه، بحكم مذهبه الشيعي، كان يضمن سلفًا تأييد السلطة الثقافية عند الشيعة الذين كانوا مع أهل السنة يشكلون غالبية المسلمين في العراق آنذاك. وقد وجد وسيلة ذكية لإقامة الاتصال مع ممثلي النظام الكوني من أهل السنة تمهيدًا لتغير اعتقادهم السيئ به، وهو ما عبر عنه الباهلي. ويدعم هذا التفسير ما حصل في المناظرة وبعدها. فقد كان عضد الدولة يتدخل في مجرى المناظرة بين الباقلاني والمعتزلة، ليعنف هؤلاء على أسلوبهم في المناظرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت