فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 166

وهي وسيلة لإظهار ميله إلى الباقلاني، على الرغم من أن ما تورده الروايات من المناظرات قصير، وهو ما يجعلها لا تظهر تفوقًا حقيقيًا للباقلاني على خصومه.

وعلى الرغم من الروايات التي نقلت النص إلينا، والتي كان أصحابها من أهل السنة دائمًا، فإن مما يثير الاستغراب هو ذلك التحول السريع، الذي طرأ على موقف عضد الدولة، وهو تحول لا يمكن تفسيره إلا بأنه كان قد بيت في نفسه هذا التحول. وقد جاءت الأحداث فيما بعد لتؤكد ذلك. فقد غفر عضد الدولة للباقلاني دخوله الجريء على مجلسه وجلوسه على يمينه، وتجاوز ذلك العفو إلى الإعجاب به، والأمر بإكرامه ورعايته بشكل مبالغ فيه. ويميل عضد الدولة، في النهاية، عن موقفه المؤيد للمعتزلة والشيعة ليظهر تأييده مذهب أهل السنة، عندما يطلب من الباقلاني أن يعلم ابنه أصول هذا المذهب بحسب رواية القاضي عياض.

وقد تلقى ممثلو النظام الكوني من أهل السنة هذا التحول تلقيًا حسنًا، ووجدوا فيه نصرًا لمذهبهم، وقد حرص عضد الدولة على الحفاظ على دعم هؤلاء له عندما اصطحب الباقلاني عندما دخل بغداد، وخلع عليه الخليفة لقب السلطان.

ويمكننا أن نرى في النص السابق نموذجًا فكريًا تاريخيًا للعلاقة بين السلطة السياسية وممثلي النظام الكوني أو السلطة الثقافية، وهو نموذج مستمر في الحاضر ولكن بأشكال وصور مختلفة.

ويعد النص دليلًا على انفصال الدين عن الدولة في الحضارة العربية الإسلامية عند أهل السنة. إلا أنه على الرغم من ذلك فقد كان مفهوم الدولة آنذاك يرتكز على مفهوم الخلافة وهو مفهوم ديني ينتمي إلى النظام الكوني في تلك الحضارة. وهذا ما جعل السلطة السياسية بحاجة دائمة إلى ممثلي النظام الكوني ولتعطي وجودها شرعية ضرورية لاستمرارها، وإن كان هذا الاستمرار يقوم أساسًا على الغلبة بالقوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت