فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 166

فالإنسان يعيش بين أزمنة ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. والماضي لا وجود له إلا في الذاكرة الإنسانية لأنه زمن انقضى، ولم يبق منه إلا الذكرى والمشاعر والخبرات التي اكتسبها الإنسان فيه، والمستقبل كذلك لا وجود له لأنه كائن في التصور الإنساني ولم يوجد بعد، وقد لا يوجد على الإطلاق بالنسبة إلى الفرد، وكل ما يستطيع الإنسان عمله فيما يتعلق بالمستقبل هو تصوره والتخطيط له في ضوء تجربته ومعارفه الماضية. أما الحاضر فهو ليس إلا ذلك الجزء الصغير من الثانية المعيشة التي ينتقل فيها المستقبل ليصبح ماضيًا، إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش اللحظة فعلًا إلا بعد أن تكون قد انقضت لتخلف فيه آثارَها، أو تولِّد فيه مشاعر خاصة وأحاسيس معينة، تدفعه لاتخاذ موقف بحسب الظروف المحيطة به. وعلى ذلك فإن الحاضر أيضًا غير موجود إنسانيًا إلا من خلال عيش الإنسان له وإحساسه به. ولكن الإنسان لا يكتسب الخبرة من عيشه اللحظة الحاضرة وإنما منها وهي مشروطة بمجموع الخبرات المتراكمة لديه. فالفرد يولد في مجتمع ما، ويبدأ بذلك أول وجوداته الثلاثة: الوجود المادي"الفيزيولوجي"، والوجود الثقافي الاجتماعي، والوجود العقلاني، فالوجود الأول وجود لم يختره على الإطلاق، ولا دخل له فيه فهو طويل أو قصير، أسود أو أبيض، أشقر الشعر أو أسوده، قوي البنية أو ضعيفها. وهو من ولادته أيضًا يبدأ وجوده الثاني، الثقافي الاجتماعي، بالتكوّن، فهو يكتسب شيئًا فشيئًا العادات والتقاليد والقيم والأعراف وأنواع السلوك ومفاهيم العيب والحلال والحرام والأخلاق، كما يكتسب ثقافة محددة من خلال اللغة التي يتعلمها، وكل ذلك يختلف من بيئة إلى أخرى في المجتمع الواحد بحسب مستوى الحياة الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت