فهرس الكتاب
وهذه الثقافة الاجتماعية هي امتداد تاريخي لثقافة الأمة ببعديها: الثقافة العالمة، والثقافة غير العالمة. وعندما يتلقى الإنسان هذين النوعين من الثقافة تلقيًا اجتماعيًا لا مُفكَّرًا فيه فإنه يتقبله كما هو في أغلب الأحيان، وقد يرفض منه ما قد يختلف مع رغباته الفردية، ولكن هذا كله يبقى في إطار الوجود الثاني: الثقافي الاجتماعي. وكل ذلك طبعًا، كما في الوجود الأول"المادي"لا دخل للإنسان فيه، إذ إنه لم يختر البيئة التي وُلِدَ فيها، ولم يختر الأسرة أو الحي ولا البلد الذي يعيش فيه، أو المدرسة التي درس فيها، ولا الأمة التي ينتمي إليها، ولا الحضارة التي اكتسب هُوِيَّته فيها. فهو إذن غير موجود على الحقيقة من خلال وجوديه: المادي والثقافي الاجتماعي، إذ إن وجوده هذا لا دخل له فيه، وهو ليس حرًا في تغييره، وطريقته في التفكير وفي اتخاذ المواقف الحياتية ليست إلا ردود فعل مسبقة الصنع ومبرمجة من طبيعة هذين الوجودين، فالفارق بين الإنسان وباقي المخلوقات، ولاسيما الحيوان، أنه ذو عقل به مازه الله من الحيوان. وعندما يعيش بوجوديه: المادي والثقافي الاجتماعي، فإنه لا يرقى كثيرًا إلى مستوى الحيوان لأن هذين الوجودين مشتركان بينهما، وإذن فقد تبيّن أن وجود الإنسان الحق إنما هو بالعقل، وعلى هذا فإن الوجود الحق للإنسان لا يبدأ إلا عندما يبدأ العقل لديه بالعمل الحر في نقد وجوديه الآخرين، فيبقي ما يراه سليمًا، ويسعى إلى تجاوز أو تصحيح ما يراه ليس كذلك.