فهرس الكتاب
لقد كان الإنسان قبل أن يكون في العلم الإلهي، ثم شاءت الإرادة الإلهية خلقه، فصورته على صورتها من الماء والتراب، وصنعته بيديها، فنال تكريمه الأول على باقي المخلوقات من جهة إرادة الخلق ومن جهة خلقه باليدين. ثم جاءت المرحلة الثالثة فسويِّ فيها، ونُفخ فيه من روح الله، فكان أكرم مخلوق على الإطلاق، أُمِرَت الملائكة، التي لا تسجد لغير الله، بالسجود له، وهي لم تؤمر بهذا السجود إلا بعد النفخة الإلهية، بدليل قوله تعالى:"فإذا سوّيتُه ونفختُ فيه من روحي فقعّوا له ساجدين"، مما يعني أنّ سجود الملائكة للإنسان ليس سجودًا لعَرَض الإنسان المكوَّن من الطين والماء، وإنما هو لما جاء بعد ذلك من النفخة الإلهية، فسجودها ليس إلا للنفخة الإلهية الكائنة في الإنسان بالإرادة الإلهية. وهو سجود أزلي قبل أن يكون الإنسان، فهي تسجد لله منذ أن وجدت، وسجودها للنفخة الإلهية في الإنسان ليس إلا استمرارًا لسجودها للذات الأولى واجبة الوجود.
في الآيات الأخرى تقرير مرحلة أخرى تلت مرحلة خلق الإنسان بمستوياتها المختلفة. فالكلام فيها يدور على إرادة الله عز وجل بإخبار الملائكة بمكانة الإنسان بعد أن خلق. فهو خليفة لله عز وجل في الأرض. ويعلِّمُ اللهُ الإنسانَ الأسماءَ كلها، فيصبح بذلك عالمًا بالقوة، يرتبط علمه بعلم الله عز وجل عالم الغيب في السموات والأرض.
فخلافة الإنسان في الأرض مرتبطة جدليًا بالعلم الذي عَلَّمه اللهُ إياه، بدليل اقتران الكلام على الخلافة بتعليم الإنسان الأسماء بعد تعجب الملائكة من جعله خليفة، فكان الجواب من الله عز وجل بتعليم الأسماء.