فهرس الكتاب
إذا كان الفكر الإغريقي قد ألّه الإنسانَ وأنسن الآلهة، فإن الفكر العربي الإسلامي قد وضع الإنسان في مركز وسط بين الكون والله، فهو بالنسبة إلى باقي الكائنات"لبُّ العالم، وهو في الأوسطِ لانتسابه إلى ما علا عليه بالمماثلة، وإلى ما سَفُل عنه بالمشاكَلَةِ، ففيه الطرفان، أعني فيه شرفُ الأجرامِ الناطقة بالمعرفة والاستبصار والبحثِ والاعتبارِ، وفيه صفةُ الأجسامِ الحيَّة الجاهلة، التي ليس لها ترشّح بشيء من الخير، ولا فيها انقياد له" [1] . فالإنسان مهيأ بالتركيب لقبول الخير والشر. وخيرُه إنما يأتي من انتسابه إلى ما علا عليه، وشرُّه يصدر عما سفل عنه. ففيه بالقوة شرف السمو والرقي يستمده من مماثلته للأجرام الناطقة والعقول المقابلة لها بما فيها من معرفة مطلقة كامنة بالقوة واستبصارٍ بالحوادث لأنها فوق الزمان والمكان، فمعرفتها متصلة بالعقل الأول وبما فيها أيضًا من البحث عن كمالها الأول الذي صدرت عنه، كما أن فيه جهلًا مستمدًا من مشاكلته للأجسام المادية الحية التي لا تعرف معنى الخير، ولا تنقاد له، لأن الخير من سمات الأجرام الناطقة وليس من صفات الأجسام الحية الجاهلة.
(1) التوحيدي، المقابسات، ص/ 231.