فهرس الكتاب
إن طبيعة الإنسان عند التوحيدي تبين العلاقة الوثيقة بين الإنسان والله فالعلاقة هذه ليست علاقة وجودية فقط بمعنى أن وجود الإنسان مرتهن بالوجود الإلهي من حيث الصدور والعودة فقط بل هي أيضًا علاقة مستمرة لا تنقطع، فقد راعى الله وضع الإنسان ولم ينسه على الرغم من ابتعاده عن جوهره الأول. وحبًا من الله بالإنسان وحرصًا منه عليه فقد أرسل إليه الرسل والأنبياء، وأنزل عليه الكتب السماوية، يذكره بما يجب أن يكون، وكيف يمكن أن يحقق معنى استخلافه في الأرض. ووهب الله الإنسان قدرات ذاتية تمكنه من العودة إليه، وحثه على استخدامها، وهي متمثلة بالعقل مناط التكليف فلا يضل الإنسان أبدًا، يقول التوحيدي مخاطبًا الإنسان:"واعلم أن الله خلقك، ورزقك، وكمَّلك، وميزك، وفضلك، وأضاء قلبك بالمعرفة، وفجر فيك ينبوع العقل، ونفى عنك العجز، وعرض عليك العز، وبين لك الفوز، بعد أن وعدك وأوعدك، وبعد أن وعظك وأيقظك، وبعد ما حط عنك ما أعجزك عنه، وأمرك بدون ما أقدرك عليه، وإنما حاشك بهذا كله إلى حظك ونجاتك، وعرضك به لسعادتك وخلاصك" [1] .
4-2-2-ابن سينا (-428هـ)
يمثل الشكل التوضيحي في الصفحة التالية ترتيب الكائنات الصاعد النازل في الفكر العربي الإسلامي فهو يوضح بالرسم تصور العرب المسلمين لوجود الكون بما فيه من كائنات أرضية أو سماوية مادية أو روحانية. وهو شكل يجسد ما ذهب إليه الفلاسفة العرب المسلمون خاصة، وشاركهم فيه المتصوفة بشكل أو بآخر، وقد رأينا أن أبا حيان التوحيدي يعرض مفهوم الإنسان من خلال تصور مماثل، ويمكننا التأكيد على أن أفضل شرح لهذا الشكل وجدناه عند ابن سينا في كتابه الإشارات والتنبيهات. وهو شرح جاء في إطار كلامه على الوجود عامة تمهيدًا لتحديد مكانة الإنسان فيه.
(1) التوحيدي، البصائر والذخائر، 7/37.