فهرس الكتاب
إن موقف الفلاسفة المسلمين من صورة الوجود متأثرة بما وجدوه في الثقافات التي تعاملت مع الثقافة العربية الإسلامية في ذلك العصر. وهي ثقافة عالمة كانت مزيجًا من العقيدة الإسلامية والإنسان المبدع في ظروف معينة سياسية وثقافية اجتماعية واقتصادية اطلع فيها على جوانب من الثقافات الهندية والفارسية والإغريقية بشكل خاص. وهي ثقافات وصلت العرب المسلمين مجزأة بحسب ما وصل منها عبر الترجمات التي كانت في أغلب الأحوال سيئة. حتى إن ابن سينا يصرح أنه قرأ كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو أربعين مرة ولم يفهمه حتى قرأ شرح الفارابي عليه [1] . ولعل هذا ما يؤكد أن أولئك الفلاسفة والمتصوفة العرب المسلمين الذين تأثروا ببعض ما نقل من تلك الثقافات لم يفهموها، أو لم يستوعبوها، إلا من خلال ثقافتهم العالمة وغير العالمة التي رُبوا فيها قبل اطلاعهم على ما اطلعوا عليه، فالثقافة الاجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان تشكل برنامجًا خاصًا يحمله الفرد في داخله يحكم تصرفاته وسلوكه اليومي، كما يحكم مواقفه الفكرية واستجاباته لما يعرض عليه من ثقافات عالمة أو غير عالمة تنتمي إلى حضارات أخرى. ولا شك في أن تلك القاعدة"الانثروبولوجية"الثقافية تنطبق على ابن سينا كما تنطبق على غيره من مثقفي عصره. ولذلك فإننا نجزم بأن هؤلاء لم يفهموا ما اطلعوا عليه من ثقافات غريبة على الثقافة الإسلامية إلا من خلال هذه الثقافة. وهذا ما يجعل من نتاجهم الفلسفي والصوفي والكلامي والفقهي والأدبي الجمالي نتاجًا خاصًا بالحضارة العربية الإسلامية، صبغته بصبغتها الأساسية التي يحكمها وجود إله متعال ليس كمثله شيء.
(1) البيهقي، تاريخ حكماء الإسلام، ص/53.