فهرس الكتاب
يرى ابن سينا، من خلال الشكل التوضيحي أن الواحد الأحد واجب الوجود في ذاته الحق القيوم صدر عنه بالإرادة العالم ذو الوجود الممكن، فهو وجود حادث في مقابل القديم الحي القيوم كان قبل وجوده ممكن الوجود حتى أصبح موجودًا بالفعل بفضل الإرادة الإلهية. لقد ابتدأ الوجود الممكن، من الأشرف فالأشرف حتى انتهى إلى الهيولى، ثم عاد من الأخس فالأخس إلى الأشرف فالأشرف [1] . فقد انتقل الوجود في مراحل من واجب الوجود إلى كرة السماء الأولى فالكواكب فالقمر، فهو انتقال من مرتبة الأجسام النوعية البسيطة من الفلك الأعلى إلى الأرض ليصل بعدها مرتبة الصور الأولى الحادثة بعد التركيب: الصورة والمادة اللتين تتدخلان في تناسب العناصر الأربعة فيما بينها، ليتولد عنها مرتبة ثالثة هي مرتبة النفوس النباتية فالحيوانية، وبعدها مرتبة العقل المستفاد المشتمل على صور جميع الموجودات لاتصاله بالعقل الأول من طريق العقول الأخرى وصولًا إلى الذات الإلهية واجبة الوجود. وبذلك تكتمل الدورة الوجودية التي بدأت من هذه الذات وعادت إليها في مراحل متعددة بدأت من الأشرف فالأشرف ثم عادت من الأخس فالأخس إلى الأشرف فالأشرف [2] . فالمبدأ الأول مؤثر في جميع الموجودات على الإطلاق، وإحاطة علمه بها سبب وجودها، فالواجب يؤثر في العقول، والعقول تؤثر في النفوس، والنفوس تؤثر في الأجرام السماوية التي تقابلها العقول، ثم الأجرام السماوية تؤثر في العالم الذي تحت فلك القمر، والعقل المختص بفلك القمر يفيض بالنور، والإنسان يهتدي بهذا النور في ظلمات طلب المعقولات، وهكذا يتشابه العالم الكبير بالعالم الصغير ولولا ذلك التماثل لما عُرِف الباري سبحانه وتعالى [3] .
(1) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/671.
(2) المصدر السابق، 4/672.
(3) ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس، كتاب في معنى الزيارة، ص/45.