فهرس الكتاب
ومكان الإنسان في هذا الترتيب الوجودي هو ماعبر عنه التوحيدي عندما رأى أن الإنسان في الوسط لانتسابه إلى ما علا عليه بالمماثلة وإلى ما سفل عنه بالمشاكلة. فالإنسان هو في نهاية الأخس وفي بداية الأشرف، ينتمي إلى الأخس من جهة العناصر الأربعة التي تشكل وجوده الطيني، وهو وجود متأثر بالكواكب من جهة تأثيرها في الصورة والمادة المكونة للعناصر الأربعة، على الرغم من أنه في قمة هذا الوجود، وينتمي إلى الأشرف من جهة نفسه المتصلة بالنفوس الإنسانية المتصلة بالعقل المستفاد سموًا إلى العقول الباقية وانتهاء بالواحد الأحد واجب الوجود الذي يستمد منه، من طريق الصدور والفيض، سموه ورفعته، ويطلب العودة إليه من خلال العشق والمحبة، كما يستمد من عالم الكون والفساد والكثرة كل ما يشده إلى أصله الترابي المتجسد في القوى الحيوانية والنباتية التي لها كمالها الذي تسعى إليه، كما أن للنفوس الإنسانية كمالها الخاص بها، فالإنسان مشدود إلى كمال عرضه من جهة الجسد وفي ذلك فناؤه، ومدفوع إلى كمال جوهره الإلهي من جهة العقل وفي ذلك بقاؤه الأزلي. فالنفس الناطقة عند الإنسان مجردة عن المادة مرتبطة بوجودها الأولي، وهي خالدة بعد الموت والجسد ليس إلا آلة لها، وموته لا يضرها، وهي متصلة بالعقل الفعال، فهي تعقل ذاتها بذاتها لا بآلتها، وكمالاتها ذاتية باقية فلا يعرض لها كلال أو فتور وإن عرض ذلك للجسد [1] .
(1) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/674.