فهرس الكتاب
والنفوس الإنسانية على الفطرة وتطلب الكمال دائمًا، فهو فيها كامن بالمناسبة، وهي عاشقة مشتاقة معًا، تعشق الكمال الأول الذي صدر كمالها عنه، وكمالها هذا يذكرها بالكمال الأول، وهي مدعوة بالفطرة إلى كمالها والبحث عنه لأن بقاءها فيه [1] . ولا تختلف النفوس الإنسانية في ذلك عن باقي الموجودات، فلكل موجود كمال خاص به بحسب مرتبته من الوجود، وعشق إرادي أو طبيعي لذلك الكمال [2] . والكمال في النفوس هو تصورها الكمال الذاتي الخاص بها من جهة المبدأ الأول الفائضة آثاره على المستعدين من خلقه لتلقي هذا الفيض بحسب قدرتهم على استخدام العقل والرقي فيه ليصبح قادرًا على تلقي ذلك الفيض. وذلك إنما يكون من خلال الرياضات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فتنصرف عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي. وأفضل تلك الرياضات في رأي ابن سينا إنما هي العبادة التي تجعل البدن بكليته تابعًا للنفس، فإن كانت النفس متوجهة"إلى جناب الحق بالفكر صار الإنسان بكليته مقبلًا على الحق، وإلا صارت العبادة سببًا للشقاوة كما قال عز وجل"فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون" [3] ."
(1) المصدر السابق، 4/776 و/785 و/786.
(2) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/788.
(3) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/824. والآية من سورة الماعون رقم 5 و6.