فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 166

وتقود الرياضات الإنسان إلى اطلاع نور الحق عليه، ثم يتوغل في ذلك"فيصبح الاتصال بالقدس ملكة، ويحصل عندها في غير حالة الارتياض الذي كان يعد لحصوله من قبل، فيكاد يرى الحق في كل شيء" [1] ، ثم يتعود الإنسان على ذلك فيصبح الأمر مألوفًا لديه ثم إنه ليغيب عن نفسه فيلحظ جناب القدس فقط، وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة، لا من حيث هي، وعندها يتحقق الحديث القدسي".. ما تقرب إلي عبدي.."ويصبح الحق حينئذ بصر الإنسان وسمعه وقدرته وعلمه وجوده، ويصير متخلقًا بأخلاق الله تعالى على الحقيقة، فالارتقاء في تلك الدرجات سلوك إلى الله ينتهي بالفناء في التوحيد [2] .

والإنسان في صعوده نحو الأعلى، إنما يسلك طريق العشق، إلا أنه لا يتمكن من التوحد بالذات الإلهية، والفناء فيها، إلا بفضل من الله تعالى، فالإنسان ما يزال يتقرب إلى الله حتى يحبه، فالمحبة الإلهية بداية كشف الحجب عن الإنسان، فيصبح كما وصفنا.

ويضع ابن سينا رسالة خاصة بالعشق، يتكلم فيها على طبيعة العشق، ومراتبه وكيفية تحققه، فكل موجود لا يخلو من كمال خاص به، وهو غير مكتف بذاته لأن كمالات الموجودات مستفاضة عن الكامل بالذات، ولا بد من عشق هذا الكمال سعيًا إلى الوصول إليه، والعشق منبث من الكامل بالذات في الموجودات لتكون نازعة إلى الكمال مستحقة له، وهو انبثاث غير مفارق البتة [3] . والله عز وجل الموجود المقدس عن الوقوع تحت التدبير هو الغاية في المعشوقية، وهو غاية الهويات كلها التي لا تخلو عن العشق إذ به تعود إلى حيث صدرت.

(1) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/824.

(2) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، 4/840.

(3) ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس، رسالة في العشق، ص/3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت