فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 166

والخير المطلق والمعشوق الغاية يتجلى لعاشقه، إلا أن قبول العاشق لتجليه واتصاله به على التفاوت. وغاية القربى من الخير المطلق هو قبول الإنسان لتجليه على الحقيقة وعلى أكمل ما في الإمكان"وهو المعنى الذي يسميه الصوفية بالاتحاد" [1] .

لقد خلق الله تعالى الحيوان من بعد النبات والمعادن والأركان، ومن بعد الأفلاك والكواكب والنفوس المجردة والعقول الكاملة بذاتها، ولما فرغ من الإبداع والخلق"أراد أن ينتهي الخلق على أكمل نوع كما ابتدأ على أكمل جنس، فميز من بين المخلوقات الإنسان ليكون الابتداء بالعقل والختم بالعاقل، وبدأ بأشرف الجواهر وهو العقل، وختم على أشرف الموجودات وهو العاقل، ففائدة الخلق هو الإنسان لا غير. وإذا عرفت هذا فاعلم أن الإنسان هو العالم الأصغر، فكما أن الموجودات ترتب في عالمه فالإنسان يرتب في شرفه وفعله" [2] ولكن الإنسان متصل بالكون من جهة العناصر الأربعة ويشترك مع النبات والحيوان في صفات تليق بعرضه، ومن هنا كان الإنسان مركبًا من أشياء متفاوتة وأمزجة مختلفة. فقد اجتمع فيه الحيواني المتمثل بقوتي الغضب والشهوة لموافقة الملائم ومخالفة ما ليس كذلك، إلى جانب النفس الإنسانية الناطقة. فالإنسان بهذه الأشياء من جملة العالم، وبكل قواه يشارك صنفًا من الموجودات؛"بالحيواني يشارك الحيوانات وبالطبعي يشارك النبات، وبالإنساني يوافق الملائكة، ولكل واحدة من هذه القوى أمر خاص وفعل لازم، فمتى غلب واحد على الآخر يجرُّ الإنسان بذلك الواحد الغالب، ويتصل بسببه، بحسب إدراكه، إلى جنسه."

(1) المصدر السابق، ص/22.

(2) ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس، رسالة في ماهية الصلاة، ص/29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت