فهرس الكتاب
وأما فعل النفس الإنسانية الناطقة فأشرف الأفعال لأنها أشرف الأرواح، ففعلها هو التأمل في النصائع والتفكر في البدائع، فوجهه إلى العالم الأعلى، فلا يحب المنزل الأسفل والموقع الأرذل، فإنه، في الحفظ للعليا والجواهر الأولى، ليس من شأنه الأكل والشرب ولا من لوازمه القبل والجماع، بل فعله انتظار كشف الحقائق والرؤية بحدسه التام وذهنه الصافي في إدراك معاني الدقائق، فيطالع بعين البصيرة لوح السريرة، وينافر بجهد الحيل علل الأمل، فتميز عن الأرواح بالنطق الكامل والفكر البالغ الشامل. همته في جميع عمره تصفية المحسوسات وإدراك المعقولات، خصها الله تعالى بقوة ما نال أحد من سائر الأرواح مثلها وهي النطق، وإن النطق لسان الملائكة، ليس لهم قول ولا لفظ بل النطق لهم خاص، وهو إدراك بلا حس وتفهيم بلا قول، فانتظم نسبة الإنسان إلى الملكوت بالنطق والقول بنفسه، فمن لا يعرفُ النطقَ يعجزُ عن بيان الحقّ" [1] . وأما الفعلُ الخاصُ للنفسِ الإنسانيةِ فهو العلمُ والإدراك، وفائدته معرفةُ الله بالفكرِ، فيشتاقُ إليه ويسعى باتجاهه، وهو فعلٌ له ثوابٌ كثيرٌ،"فإنّ للنفس الإنسانية ثوابًا لأنه يبقى بعد فناء البدن، ولا يبلى بطول الزمن، له بعثٌ بعد الموتِ، وأعني بالموت مفارقته عن الجسم، وبالبعث مواصلته بتلك الجواهر الروحانية، وثوابه وسعادتُه بعثه، ويكون ثوابه بحسب فعله" [2] ، فمن غلبت قواه الحيوانية والطبعية قوته النطقية شقي يوم البعث، وهو عاشقٌ للبدن وهو لذلك في زمرة البهائم، ومن غلبتْ قواه النطقية تجرد عن الاشتغال بالبدن وعلائقه، وأقبلَ بعشقه نحو ربّه، حتى إذا انفصل عن الجسم فارق الدنيا ليشاهد ربّه ويجاور حضرتّه ويلتذ بمجاورة جنسه وهمْ سكانُ الملكوت وعوالمُ الجبروت [3] ."
4-2-3-ابن عربي ( - 638)
(1) ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس، رسالة في ماهية الصلاة، ص/32-33
(2) المصدر السابق، ص/34.
(3) المصدر السابق، ص/41.