فهرس الكتاب
لا يبتعد مفهوم الإنسان عند ابن عربي كثيرًا عن مفهومه عند ابن سينا أو عند التوحيدي. فابن عربي يضع الإنسان كسابقيه في قمة هرم الوجود الكياني. ويقتربُ ابن عربي جدًا من ابن سينا، بل لعله استفاد منه فكرته التي يرى فيها أن الوجود له شكل الدائرة،"فكان ابتداءُ الدائرة وجودُ العقل الأول الذي ورد في الخبر أنه أولُ ما خلق الله العقل، فهو أول الأجناس، وانتهى الخلق إلى الجنس الإنساني، فكملتْ الدائرةُ واتصل الإنسانُ بالعقل الأول، كما يتصلُ آخرُ الدائرة بأوّلها. فكانتْ دائرةٌ، وما بين طرفي الدائرة جميعُ ما خلقَ الله من أجناس العالم بين العقل الأول الذي هو القلم أيضًا وبين الإنسان الذي هو الموجود الآخر" [1] ، فالوجود الإنساني بحسب ابن عربي هو كمالُ الخلق، به كملت الدائرة، وبكمال الدائرة كمال الإنسان، إذْ بهذا الكمال اتصل الإنسان آخرُ المخلوقات بالعقل الأول أول المخلوقات فكان أفضلها وأكملها، وكانت بذلك مسخرةً وتابعةً في وجودها له، وُجدَتْ لوجوده، وتزولُ بزواله، فهو عمادُ هذا الوجود، يُمسكُه الله أن يزول بسببه، فإذا فنيتْ صورةُ الإنسان، ولم يبق منها على وجه الأرض أحدٌ زالت، لأن العماد زال وهو الإنسان [2] ، ولما انتقلتْ العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان إليها وخربتْ الدنيا بانتقاله عنها علمنا أنّ الإنسانَ هو الجوهرُ الذي من أجله خَلَق الله العالم، وأنه بذلك خليفته حقًا،"وأنه محل ظهور الأسماء الإلهية، وهو الجامع لحقائق العالم كله من مَلَك وفلكٍ وروحٍ وجسمٍ وطبيعةٍ وجماد ونبات وحيوان، إلى ما خُصّ به من علم الأسماء الإلهية مع صِغَرِ حجمه وجَرْمه" [3] .
(1) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/125.
(2) المصدر السابق، 1/125.
(3) المصدر السابق.