فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 166

الإنسان مركزُ الكون وعلته وعماده، فهو خليفةُ الله، استخلفه في ملكه بعد أن شاء من حيث أسماؤه أن يرى أعيانها في كونٍ جامعٍ فقد كان الله كنزًا مخفيًا فأحب أن يعرف، فخلق الخلق وبه عرفوه. ولما شاء الله أن يخلق الإنسان، خلق له الكون، ليجعله خليفته فيه، فيرى فيه عينه التي وضعها فيه بالنفخة الإلهية. فكان العالم لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة، فكان لا بد من جلاء مرآة العالم، فكان آدم عينَ جلاء تلك المرآة، وروح تلك الصورة. ولمّا كان الإنسانُ مجلى الله عزّ وجلّ، اقتضاه لذاته، كان الإنسانُ واجبَ الوجود بالله، فهو في جوهره من النفخة الإلهية واجبة الوجودِ، وبذلك فهو واجبُ الوجود به، مُحدَثٌ من حيث النشأةُ العنصرية، وهو كاملٌ من حيث الجوهرُ، مفتقر إلى مُحْدِثِهِ الذي أحدثه من جهة نشأته العنصرية. فقد ظهر الإنسانُ وكان وجودهُ اقتضاءً اقتضاهُ الحقُ لذاتهِ، فاقتضى بذلك أن يكون الإنسانُ على صورة من اقتضاه لذاته، فيما يُنْسَبُ إليه من كل شيءٍ وفعلٍ واسمٍ وصفة، ما خلا الوجوبُ الذاتي الذي لم يصح للإنسان، لأن وجوده واجبٌ بالله، وليس بذاته، واختص الله بالوجود الواجب الذاتي. فالإنسانُ الكامل من حيث جوهره إنما ينظر بنور الله، فهو عينه ويده [1] ، فما صحّت الخلافة إلا للإنسان الكامل، إذ كانت صورتُه الظاهرةُ من حقائق العالم وصوره، وصورته الباطنةُ على صورة الله تعالى، ولذلك قال فيه"كنتُ سمعَه وبصرَه"ولم يقل كنتُ عينَه وأذنُه، ففرّق بين الصورتين [2] .

(1) ابن عربي، فصوص الحكم، 1/53.

(2) المصدر السابق 1/55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت