فهرس الكتاب
لقد خلق الله الإنسان في النشأة الأولى من طينٍ، ثم سوّاه وعدله ونفخ فيه من روحه المضاف إليه، فحدث، عند هذا النفخ فيه بسريانه في أجزائه، أنْ ظهرت أركانُ الأخلاط الأربعةِ التي هي الصفراءُ والسوداءُ والبلغمُ والدمُ، ثم أعطاه الله ما في الحيوان من قوى طبيعية كقوةِ الهضم، كل ذلك بما هو حيوان لا بما هو إنسان. ثم خصه بالقوة المصورة والمفكرة والعاقلة، فتميز من الحيوان، وجعل هذه القوى آلات للنفس الناطقة، وبذلك أصبح المخلوقُ إنسانًا، ما سمّى الله نفسه باسم من الأسماء"وإلا وجعلَ للإنسانِ من التّخلّقِ بذلك الاسم حظًا منه، يظهرُ به في العالم على قدر ما يليق به" [1] .
واقتضى الأمر الإلهي أن يعود الإنسان إلى الجهة التي صدر منها، وهي فيه بالقوة ولا يمكن تحقيقها بالفعل إلا بأداة مناسبة وهي العقل من حيث أصله المتصل بالعقل الأول في اكتمال الدائرة. فقد كلف الله ذلك العقل بمعرفته سبحانه، ليرجع الإنسان به إليه لا إلى غيره. ولكنّ العقل فهم غير ما كلّفه الله به، وغفل عن الحق في مراده بالتفكير، ذلك أن الله أمره أن يتفكر،"فيرى أن علمه بالله لا سبيل إليه إلا بتعريف الله، فيكشف له عن الأمرِ على ما هو عليه، فلم يفهم كلّ عقلٍ هذا الفهم إلا عقول خاصة الله من أنبيائه وأوليائه. يا ليت شعري هل بأفكارهم قالوا بلى حين أشهدهم على أنفسهم في قبضة الذرية من ظهر آدم؟ لا والله، بل عناية إشهاده إياهم ذلك، عند أخذه إياهم عنهم من ظهورهم، ولما رجعوا إلى الأخذ عن قواهم المفكرة في معرفة الله لم يجتمعوا قط على حكم واحد في معرفة الله" [2] .
(1) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/124
(2) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/126.