فهرس الكتاب
وإن كانت عودة الإنسان مرتبطة بالعقل فإنه ارتباطٌ سببي لا ارتباطٌ ضروري، ذلك لأن معرفة الإنسان ربه مرتبطة بالفيض الإلهي الذي يصل الإنسان من خلال العقل الأول فيكشف الحجب عنه، فيعرفَ ربه بفضله لا بفضل عقله، وإنما العقل طريقٌ يسلكه صاحبه نحو باب يقرعه يؤدي به إلى الله، ولكن الذي يفتح الباب إنما هو الله تعالى بفضل الحب الذي يفيض به على العبد فيصبح هو هو، فلا حب يتعلق به الإنسان بالله وإنما هو حب إله يتعلق بالإنسان لأنّ الإنسان معدومٌ محدثٌ واجبٌ بغيره، فالإنسان محبوبٌ لله أبدًا، وما دام الحب لا يتصوّر معه وجود المخلوق الممكن، لأن المخلوق الممكن لا يوجدُ أبدًا بغير الذات الإلهية، فقد اقتضى الحالُ أن يكون المخلوق وهو الإنسانُ مظهرًا للحق، فما ثمّ"ظاهرٌ إلا هُوْ في عين المُمْكِنِ فما أحبّ اللهَ إلا اللهُ، والعبدُ لا يتصفُ بالحب إذ لا حكمَ له فيه، فإنّه ما أحبَه منه سواه الظاهرُ فيه" [1] . وبذلك الحب الذي يعيدُ الإنسان إلى خالقه ومصدره الذي صدر عنه تكتمل دائرةُ الوجود الذي بدأ بالمحبة عندما أحبّ الله أن يُعرفَ فخلق الخلقَ.
لقد خلق الله العقل أولًا، ومن ثمّ خلق العاقل ليكون مجلى للعقل، وليعود به إليه، وخلق الخلق بالمحبة، وبالمحبة مكّنَهُ من العودة إليه، فكانت بدايةُ الدائرة ونهايتها في بدايتها، فكان الإنسان - العالم الأصغر روحُ العالم الأكبر وعلته وسببه - حقيرًا من طريق الحدوث، متألّهًا من جهة الوجوب، لأنه خليفة الله في العالم، والعالم مسخرٌ له مألوه، كما أنّ الإنسان مألوه لله تعالى [2] .
(1) ابن عربي، الفتوحات المكية، 2/113.
(2) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/118.