فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 166

ذلك هو مفهوم الإنسان في الخلق الأول وفي جوهر الإنسان المرتبط بوظيفته الكونية القائمة على الاستخلاف. وقد تبين ذلك من تقديمه على الملائكة ذاتها، فقد كرّم الله خليفته بأن خلقه من تراب بيديه، ثم سواه، وعدله، ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها، وقال للملائكة أنبئوني بأسماء هؤلاء، يعني الصور التي تجلى فيها الحق، إن كنتم صادقين في قولكم نسبح بحمدك، فهل سبحتموني بتلك الأسماء التي تقتضيها تلك التجليات التي أتجلاها لعبادي. فجاء ردُ الملائكة بالتسليم في قولهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، فنسبوا العلم إليه لا إلى أنفسهم، وأقروا بأن الله اعطى خليفته ما لم يعطهم، مما يعني أن الحكمة الإلهية شاءت أن يكون له هذا العلم الذي خصته به من جهة أنه خليفةٌ، له حكم المستخِلف [1] فما سمّى الله نفسه باسم من الأسماء"إلاّ وجعل للإنسان من التخلق بذلك الاسم حظًا منه، يظهر به في العالم على قدر ما يليق به" [2] .

وأنبأ آدمُ الملائكة بأسماء تلك التجليات، فسلّم الملائكةُ بأنّ لا علمَ لهم إلا ما علمهم الله فأمرهم الله بالسجود لآدم سجودَ المتعلمين للمُعَلّم، فهو في الحقيقة سجود لله عزّ وجل الذي خلق آدم ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلّها مما جهلته الملائكة، فنال التقدمة عليهم بذلك.

من خلال هذا الخلق أصبح الإنسانُ جامعًا لحقائق العالم من جهة تكوينه الترابي، ولحقائق الصورة الإلهية من جهة النفخة والتعليم، فله بذلك نسبة إلى العالم الأقدس إذ عنه ظهر، وله نسبةٌ إلى عالم الطبيعة والعناصر بجسمه من حيث نشأته، فهو يحب كل ما تحبه تلك العناصر [3] .

(1) ابن عربي، الفتوحات المكية، 2/71

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق، 2/335

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت