فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 166

بدأ الإنسان نشأةً عنصريةً بالتكوين الترابي، فهو بذلك ينتمي إلى الوجود الممكنِ، إلا أنه في أصل الخلق كان أسبق من جهة كونه إنسانًا بالنفخة الإلهية الأزلية واجبة الوجود، فكان من هذه الجهة أزليًا ينتمي إلى الوجود الواجب.

فالإنسان مُحْدَثٌ من جهةٍ، واجبٌ أزليٌ من جهة ثانية. وكل مُحدَث مفتقرٌ إلى مُحِدثٍ، فوجودُه من غيره، وهو مرتبطٌ به ارتباط افتقار. ومحِدثُه واجبٌ الوجود غنيٌ بذاته في وجوده غيرُ مفتقرٍ، وهو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث، فانتسب إليه.

والكمالُ الذي يحققه الإنسانُ في الدنيا بفضلِ العقل والمعرفة والفيض الإلهي هو عينُ الكمال الذي يكون فيه يوم القيامة، ذلك أن مراتبَ الناس في العلم بالله في الدنيا متفاوتةٌ مختلفةٌ بحسبِ جهدهم وعمَلِهم، وهي نفسها عينُ مراتبهم في قربهم من اللهِ يومَ القيامةِ [1] ، فكمالُ الإنسان إنما يحصلُه في الدنيا، وأما كمالُه في الآخرة فهو عينُ مكانه ودرجته التي نالها في الدنيا، إذ إن الإنسانَ إذا ما ماتَ وانتقل إلى الدار الآخرة انقطع عمله، ولم يعد قادرًا على تغيير المكانة التي سعى إليها بعمله، وحصّلها من جهة عقله [2] .

5-خاتمة

(1) ابن عربي، فصوص الحكم، 1/113.

(2) ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/118

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت