فهرس الكتاب
وكانت العلوم الدينية وما يخدمها من العلوم اللغوية في طور التأسيس، وهذا ما منع من ظهور الفقه علمًا متميزًا من سواه من العلوم. وقد ساعد على هذا أن المسلمين من العرب في ذلك العصر كانوا في معظمهم من جيل الصحابة وهم على معرفة بأمور دينهم، وهو ما لم يتوفر لأحفادهم الذين كان عليهم الاستعانة برجال اختصوا في تفسير القرآن الكريم، وفي إصدار فتاوى فقهية تسعى إلى إيجاد حلول لقضايا جديدة في ضوء الشريعة الإسلامية.
وعندما جاء العباسيون استفادوا من الجهد الذي بذله الأمويون في تأسيس النظام السياسي الوراثي. وقد استطاعوا أن يدخلوا في روع المسلمين، ولا سيما الشيعة منهم، أنهم جاؤوا ليعيدوا الحق إلى أهله عندما ادعوا بأنهم يريدون إعادة الخلافة إلى آل البيت من مغتصبيها الأمويين. وقد ساعدهم هذا في وصولهم إلى الحكم، ودعمهم في إضفاء الشرعية على حكمهم، فبدوا وكأنهم يملكون السلطتين الدينية والسياسية. إلا أن الشيعة شعروا بأنهم قد خدعوا، فاستمروا بالدعوة إلى أحقية آل البيت بالخلافة. وقد ظل الشيعة الحزب الوحيد الذي ينازع العباسيين السلطة، ولذا فقد اضطهدهم العباسيون مما اضطرهم إلى التحول إلى الدعوة السرية. واستطاع العباسيون الأوائل نزع اعتراف الناس بامتلاكهم السلطتين. فقد كان الخلفاء يسعون إلى إبراز مكانتهم الدينية باعتبارهم خلفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بما تحمله هذه الكلمة من دلالات دينية ودنيوية. إلا أنهم، كالأمويين، لم يمثلوا على الإطلاق تلك السلطة كما كانت عند الخلفاء الراشدين. وهم أيضًا كالأمويين، لم يكونوا خلفاء بالمفهوم السني للخلافة ولا بالمفهوم الشيعي للإمامة. فهم لم يُنتخبوا انتخابًا حرًا كما يشترط السنة، كما أن النظام الوراثي الذي أخذوه عن الأمويين لم يكن ليتوافق مع النظام الوراثي الذي تدعو إليه النظرية الشيعية.