فهرس الكتاب
الخلافة وظيفة دينية تنبع من العقيدة، وتتأصل بالتشريع، وتستمد وجودها من الدين الذي حظر على المسلمين أن يبيتوا ليلة دون بيعة لخليفة. وعلى الرغم من ذلك فقد انشغل الأمويون بالنواحي السياسية التي تهتم ببناء الدولة وتدعيم كيانها، وتركوا جوانب العقيدة والفقه إلى العلماء والفقهاء والقضاة. وقد عمل العباسيون على ترسيخ الربط بين الجوانب الدينية والدنيوية وإضفاء القداسة على مفهوم الخلافة حرصًا على استمرار كيانهم الذي يستمد وجوده من خلال الدعم الديني الذي كانوا يقدمونه للفقهاء والقضاة. فقد حرصوا على الاتصال بهؤلاء،"فأبو جعفر المنصور يقرب العلماء ويصلهم، والمهدي يشتد على الزنادقة وينشىء إدارة للبحث عنهم وتعذيبهم، والرشيد وأبو يوسف القاضي متلازمان، والمأمون يصدر مرسومًا بخلق القرآن، ويقضي شطرًا من خلافته في مناقشة العلماء وتعذيب من أنكره، ويناقش في نكاح المتعة، ويريد أن يصدر أمرًا في شأنه، وهكذا مما لا نجد له مثيلًا في العهد الأموي" [1] . لقد ظل الأمر هكذا طوال فترة القوة السياسية والعسكرية التي عرفها الخلفاء العباسيون في العصرين الأول والثاني. وقد ساعد هذا كله على إكساب الخلافة صفة القداسة. وهو ما مكّن الخلفاء العباسيين، لَمَّا ضعفت سلطتهم السياسية وتقلص نفوذهم المادي، من الاحتفاظ بمنصب الخلافة. كما ساعد هذا على الاحتفاظ بصورة الخلافة الدينية في أذهان الناس على الرغم من استغلال السلاطين والملوك لتلك الصورة ليحكموا من ورائها.
(1) أمين، أحمد، ضحى الإسلام، ( 2 / 163 ) .