فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 166

وقد سعى هؤلاء السلاطين من أتراك وبويهيين وسلاجقة إلى الحفاظ على هذه النظرة. ويدلنا تطور الألقاب التي كانت تطلق على الخلفاء على فقدانهم السلطة السياسية وغلبة الطابع الديني على منصبهم. فبعد أن كانت ألقاب الخلفاء الأوائل تحمل معاني القوة كالسفاح والمنصور والرشيد، أصبحت هذه الألقاب مضافة إلى اسم الجلالة كالمستنجد بالله والمتوكل على الله، تعكس ما كان يعانيه أصحابها من ضعف ناتج عن فقدانهم سلطاتهم جميعًا. لقد استطاع البويهيون عمليًا الفصل بين شخص الخليفة ولقب الخلافة، ومع ذلك ما كانوا يجرؤون على إلغاء نظام الخلافة، فقد كان أي تغيير جذري في ذلك النظام يمكن أن يثير اضطرابات ومعارضات خطيرة قد تهدد سلطانهم، وعلى العكس من ذلك، فقد كانوا يستغلون ما لهذا النظام من هيبة في نفوس المسلمين ستارًا يقومون وراءه بممارساتهم التعسفية. أما الخليفة فلم يكن يمثل بالنسبة إليهم إلا شخصًا عاديًا يستطيعون بحسب مصالحهم إجباره على التنازل عن لقبه. أما الاحترام الذي كانوا يظهرونه له فلم يكن يتعدى المظاهر الشكلية: فقد كان الخليفة يحتفظ بسلطات دينية رمزية، كما أن مراسم تعيين السلاطين كانت تجري في القصر تحت رعاية الخليفة. إلا أن هذا كله لم يكن في الحقيقة إلا مظاهر خادعة كانت تقتضيها الظروف الاجتماعية - الدينية الصعبة التي كان يعيشها المجتمع. أما في الواقع، فإن عدم احترام الخليفة كان يُعبَّر عنه في مظاهر عديدة، فقد كان يُختار له الألقاب التي عليه أن يتسمى بها، كما تُفرَض عليه الإقامة في قصره بين الحريم، أو تُقلَّص مصروفاته اليومية، وتُصادَر ضياعه، أو يُقتَل أو تُسمَل عيناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت