فهرس الكتاب
لقد أدى ضعف الخلافة إلى خروج السلطة الدينية عمليًا من أيدي الخلفاء العباسيين على الرغم من تمثيلهم لها رمزيًا. وقد انتقلت هذه السلطة بالتدريج، منذ عصر الأمويين، إلى فئة الفقهاء وعلماء الدين الذين كان لهم مطلق الحرية في الاجتهاد والتفكير. وكانت السلطة الحقيقية لهؤلاء تأتي من أنهم كانوا يشكلون مرجعًا، تجد لديه العامة حلولًا لمشكلاتهم اليومية في ضوء الشريعة الإسلامية. وكان مما يزيد في تلك السلطة أنهم كانوا مطلقي الحرية في تعدد الآراء المتمثل في الاجتهاد، ولم يكن هناك قانون واحد أو مذهب فقهي معتمد بشكل رسمي، يقيد القضاة ويعرفه الناس قبل أن يحتكموا إليه، ويترك هذا القانون خاضعًا للتطور والتعديل بشكل يتوافق مع تغير الظروف الاجتماعية. إن عدم وجود مثل ذلك القانون جعل علماء الدين والفقهاء الممثلين الرئيسيين للشريعة الإسلامية. ولم يكن هؤلاء في معظم الأحوال على اتصال بالسلطة السياسية وذلك لأن هذه السلطة كانت في غنى عنهم، إلا لتزيين مجالسها أو لإظهار رعايتها للدين. كما أن هؤلاء الفقهاء ما كانوا يحتاجون إلى السلطة، إذ إنّ معظمهم كان يجمع بين العمل الحر لكسب عيشه وبين أخذ العلم في حلقات المساجد والتدريس فيها فيما بعد. وهو ما أعطاهم استقلالًا تامًا وحرية مطلقة في التفكير. إلا أن هذا الوضع لم يستمر في القرن الرابع على ما كان عليه في القرنين الثاني والثالث. فقد كثر المتعالمون وسعى السلاطين إلى استقطابهم للتقرب بهم إلى العامة. كما أنهم كانوا يستخدمون نفوذ هؤلاء لدى العامة في إثارة الفتن خدمة لمصالحهم السياسية أو لنشر الدَّعاوة السياسية المؤيدة لهم. وفي مقابل ذلك كان بعض الفقهاء يجدون عند السلطان الحماية والرعاية والحياة الرخوة، إضافة إلى ما يعنيه القرب من السلطان من مكانة اجتماعية - سياسية.