فهرس الكتاب
وعلى هذا فالعلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية كانت في ذلك الوقت علاقة مصلحة مشتركة وتبادل للمنافع والخدمات. وقد انضم إلى هؤلاء جماعة من الأدباء والكتاب والفلاسفة، حاولوا أن ينافسوا الفقهاء في التقرب من السلطان. وكان عليهم أن يخضعوا للقانون نفسه. ومنذ ذلك الوقت فإن السلطة الدينية اتسعت لتشمل دائرة أكبر تضم الأدب والعلوم والثقافة عمومًا. ويمكننا بذلك أن نستخدم كلمة الثقافية لتحل محل الدينية. وبذلك فإن السلطة الثقافية تمثل التأثير الذي كان يمارسه مجموع الفقهاء والأدباء والعلماء في البنية الاجتماعية - السياسية - الثقافية للمجتمع في الحضارة العربية الإسلامية.
إن المجال الروحي للإنسان في هذه الحضارة كان خاضعًا للمفهوم الديني المتسامي. إلا أن الصراعات الدينية كانت توسع من الانقسامات الاجتماعية - السياسية. ذلك أن أيًا من التيارات الفكرية والفرق الدينية التي نشأت منذ ظهور الإسلام، وتطورت في جو من التنافس العنيف لم تستطع الانتصار على الأخرى بشكل حاسم.
وكان الحكام يحرصون تدريجيًا على إزالة الهيبة الزمنية التي كانت تتمتع بها الخلافة في الضمير الجماعي للأمة الإسلامية. على حين أن إلغاءها كليًا كان يمكن أن يؤدي إلى تمركز النقمة الشعبية وتبلورها، ومن ثم إلى قيام معارضة قوية. وقد حرصوا على إبقاء الصبغة الدينية للخلافة، وسعوا هم أنفسهم إلى إظهار التمسك بالدين والحرص على تطبيق تعاليمه إذ لم يكن من الممكن كسب ود العامة إلا بهذه الطريقة. والواقع أنهم كانوا يسعون إلى قصر الدين على وظيفته الأخلاقية، ويستخدمونه وسيلة للقبول عند الناس.