فهرس الكتاب
لقد كان هؤلاء الحكام يدركون أنّ وجودهم على رأس السلطة يشكل تحديًا لمفهوم الخليفة / الإمامة سواء أكان ذلك عند أهل السنة أم عند الشيعة. ولذا فقد كانوا يلجؤون إلى ممثلي السلطة الثقافية في سعيهم لتغطية تلك الحقيقة. أما العامة فقد كان بإمكانهم إصدار أحكام قاسية بحق السلطة التي كانت تحكمهم ولا سيما أنهم ما كانوا يرتبطون بتلك السلطة بأي ولاء أو بيعة. وكانت تلك المعارضة تجد تعبيرًا عنها بالقلاقل والثورات والفتن. على حين أن مواقف ممثلي السلطة الثقافية كانت تتراوح بين التأييد للسلطة والدوران في فلكها في مقابل الحصول على مكاسب مادية ومعنوية، وبين المعارضة أو الابتعاد عن مجالس تلك السلطة.
لقد أدت هذه الفوضى السياسية - الثقافية إلى فوضى اجتماعية - ثقافية، فقامت الصراعات بين الأطراف المتنازعة سياسيًا وفكريًا. فقد كان المعتزلة يستنصرون ببعض السلاطين ضد الفرق الأخرى، وكذلك فعل أهل السنة ضد الشيعة والشيعة ضد أهل السنة. وكان الحكام في أثناء ذلك كله يستغلون هذا لصالحهم. يقول التوحيدي مصورًا تلك الحالة من الفوضى الثقافية - الاجتماعية في القرن الرابع:"ولما كانت أوائل الأمور على ما شرحت، وأواسطها على ما وصفت، كان من نتائجها هذه الفتن والمذاهب، والتعصب والإفراط، وما تفاقم منها وزاد ونما وعلا وتراقى، وضاقت الحيل عن تداركه وإصلاحه. وصارت العامة مع جهلها، تجد قوة من خاصتها مع علمها، فسفكت الدماء، واستبيح الحريم، وشُنَّت الغارات، وخُرِّبت الديارات، وكثر الجدال، وطال القيل والقال، وفشا الكذب والمحال، وأصبح طالب الحق حيران، ومحب السلامة مقصودًا بكل لسان وسنان، وصار الناس أحزابًا في النِّحل والأديان" [1] .
(1) التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، ( 2 / 76 ) .