فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 166

لقد شكل النظام الكوني منذ الأزل هوية الأمة، لأنه يشكل تصور الجماعات لنفسها وذاتها، والصورة التي تبنيها عن عالمها، ونوعية العلاقات التي تربطها بالكون والمجتمع والسلطة، والقيم الأساسية التي تجسد ماضيها وحياتها، إنه بذلك يشكل روح المجتمع ووجوده وهويته. ولا شك في أن أي تجاهل لهذه الذاتية أو محاولة تغيير وخلخلة فيها، وهي التي تشكل محور وجود النظام الإنساني وما يجسده من مفاهيم الوطن والمواطن، سوف يجعل من أي محاولة تطوير أو تقدم في المجتمع مجرد عملية تراكم للبضائع المستوردة والآلات، واستيراد للثقافة والأفكار والقيم الجاهزة، عوضًا"عن أن تكون عملية بناء للإنسان وتفهمًا وترميمًا للحياة الشعورية العميقة، وتأمينًا على النفس والحياة، وتعليمًا وتربية وتثقيفًا.. وبالعكس، حتى حقوق الإنسان تتحول في الشروط القائمة، وعلى أيدي نخبة تفتقر إلى الحد الأدنى من الثقة بنفسها ومجتمعها، إلى سلاح للحرب ضد حقوق الإنسان، وإلى خطاب يهدف إلى التغطية على ممارسة التمييز وضمان التميّز عن الشعب، وتبرير القطيعة معه وتأكيد التفوق العقائدي والمعنوي والأخلاقي عليه، أي إلى عقيدة نفي الإنسان وتشويه صورته والتمثيل به، ونزع الإنسانية عنه، وحرمانه من ممارسة حقوقه الأساسية، وإنكار معاناته وآلامه" [1] .

ثالثًا - شاهدان من التاريخ

1-العلاقة بين سيف الدولة والفارابي

1-1- سيف الدولة وغلبة الخطاب البلاغي على الخطاب الفلسفي / العقلي

(1) المصدر السابق ص / 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت