فهرس الكتاب
إنّ كل وسط من الأوساط يمكن أن يُحدَّد بالأفكار والمعتقدات التي يسلم بها، وبالقضايا التي يقبلها من غير تردد. ومفاهيم هذا الوسط جزء من ثقافته التي على الخطاب الموجه لهذا الوسط أن يهتم بها، وعلى كل خطيب يريد إقناع مستمع ما ينتمي إلى وسط من الأوساط أن يتبنى، أو يستخدم، في خطابه المفاهيم السائدة في هذا الوسط.
وسيف الدولة يمثل، في آن واحد، وسطًا يخاطبه آخرون، وخطيبًا يخاطب وسطًا، فقد كان بحكم نشأته البدوية عربي الثقافة، يحن إلى إنشاد الشعر وسماعه، وكان من الطبيعي أن يسود في بلاطه الخطاب الأدبي المتمثل بالشعراء واللغويين والنحاة من أمثال ابن نباتة، وابن جني، وأبي علي الفارسي، وابن خالويه، وكشاجم، والخالديين، والصنوبري، والمتنبي، وأبي فراس الحمداني. وكلهم يمثلون الخطاب الأدبي الذي كان يلقى ترحيبًا عند سيف الدولة كوسط مخاطَب.
وهو من جهة أخرى خطيب يخاطب وسطًا، فهو سلطان يستمد سلطته السياسية من قوته العسكرية، وهو بحاجة إلى خطاب آخر غير القوة العسكرية يتوجه به إلى الناس الذين يخضعون لسلطته، يقرّبه منهم، ويرفع شأنه بينهم، ويوفّر له شيئًا من الشرعية من خلال تقديمه بطلًا عربيًا مدافعًا عن الثغور الإسلامية في وجه البيزنطيين. ولمّا كان الناس عامة يميلون إلى الخطاب الأدبي، لأنهم أقرب إليه من حيث غلبة العواطف والمشاعر لديهم على العقل، وقلمّا يلقون بالًا للخطاب الفلسفي العقلي، فقد كان من الطبيعي أن يغلب على بلاط سيف الدولة حضور الشعراء وممثلو الخطاب الأدبي عامة، والبلاغي خاصة، لما يقدمونه من خدمات إعلامية يحرص عليها كل سلطان في ذلك الزمان، وهو ما نراه في ذلك العصر في محاولة كل سلطان استقطاب عدد من ممثلي ذلك الخطاب، يزين بهم مجلسه، فيرضى عنه هؤلاء لما يوفره لهم قربهم منه من مزايا ومصالح، ويقدمون له خدمة مقابلة بتزيين صورته عند الناس.