فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 166

إن تقرير الفارابي بأن القلب هو العضو الرئيس في البدن وليس العقل، ومقارنة الرئيس به له أسس حضارية وثقافية عميقة، فقد كان القلب، وما يزال، مركز الإيمان عند المفكرين العرب المسلمين، والعقل ما هو إلا أداة القلب [1] الذي إذا ما صلح صلح الجسد كله، وإذا ما فسد فسد الجسد كله. أضف إلى ذلك بعدًا آخر وهو أن صورة الرئيس في فلسفة الفارابي إنما هي قريبة جدًا من فكرة الإمام عند الشيعة الإمامية عامة والإسماعيلية خاصة. ويبدو ذلك في صفات الرئيس التي يقررها الفارابي: وأولها أن يكون الرئيس عاقلًا بالفعل حلّ فيه العقل الفعال فيصبح"هو الذي يوحى إليه فيكون الله عز وجلّ يوحي إليه بتوسط العقل الفعّال، فيكون ما يفيض من الله تبارك وتعالى إلى العقل الفعّال يفيضه العقل الفعال إلى عقله المنفعل بتوسط العقل المستفاد ثم إلى قوته المتخيلة. فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيمًا فيلسوفًا ومتعقلًا على التمام، وبما يفيض منه إلى القوة المتخيلة نبيًا منذرًا بما سيكون، ومخبرًا بما هو الآن من الجزئيات بوجود يعقل فيه الإلهي. وهذا الإنسان هو في أكمل مراتب الإنسانية، وفي أعلى درجات السعادة. وتكون نفسه كاملة متحدة بالعقل الفعّال على الوجه الذي قلنا. وهذا الإنسان هو الذي يقف على كل فعل يمكن أن يبلغ به السعادة. فهذا أول شروط الرئيس" [2] .

(1) انظر على سبيل المثال تعريف القلب عند الجرجاني في كتابه التعريفات.

(2) الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، ص / 101 - 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت