في تطوِّعها لانتفاء الرِّياء عنها، وليس كذلك الواجبات. قال الحسن: إظهار الزكاة أحسن، وإخفاء التطوُّع أفضل؛ لأنه أدلّ على أنه يراد الله عز وجل به وحده" [1] ."
ويُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"جَعَل اللهُ صدقةَ السِّر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفًا، وجعل صدقةَ الفريضة علانيتها أفضل من سِرها بخمسة وعشرين ضعفًا" [2] .
وقال ابن العربي:"أَمَّا صَدَقَةُ الْفَرْضِ فَلا خِلافَ أنَّ إظْهَارَهَا أَفضَلُ، كَصَلاةِ الفَرْضِ وَسَائِرِ فَرَائِضِ الشرِيعَةِ؛ لأَنَّ المَرءَ يُحْرِزُ بِهَا إسلامَهُ، وَيَعصِمُ مَالَهُ"، ثم قال في مسألةِ صدَقَة النفل:"وَالتحقِيقُ فِيهِ أَنَّ الحَالَ في الصدَقَةِ تَختَلِفُ بِحَالِ المُعطِي لَهَا وَالمُعطَى إيَّاهَا وَالناسِ الشاهِدِينَ لَهَا، أَمَّا المُعطِي فَلَهُ فَائِدَةُ إظهَارِ السُّنة وَثَوَابِ القُدرَةِ، وَآفَتُهَا الرِّياءُ وَالمَنُّ وَالأَذَى، وَأَمَّا المُعطَى إيَّاهَا فَإِنَّ السرَّ أَسلَمُ لَهُ مِن احتِقَارِ الناسِ لَهُ أَو نِسبَتِهِ إلَى أَنَّه أَخَذَهَا مَعَ الغِنَى عَنهَا وَتَرَكَ التعَفُّف، وَأَمَّا حَالُ الناسِ فَالسِّرُ عَنهُم أَفضَلُ مِن العَلانِيَةِ لَهُم، مِن جِهَةِ أَنهُم رُبما طَعَنُوا عَلَى المُعطِي لَهَا بِالرياء، وَعَلَى الآخِذِ لَهَا بِالاستِثنَاءِ؛ وَلَهُم فِيهَا تَحرِيكُ القُلُوبِ إلَى الصَّدَقة، لَكِنَّ هَذَا اليَومَ قَلِيلٌ" [3] .
وبعضُ العلماءِ يرى أنَّ أفضليةَ إخفاءِ الصَّدقةِ مقيَّدَةٌ بإيتاء الفقراء خاصَّةً لا في كلِّ الصدقات تماشيًا مع منطوق الآية، يقول ابنُ القيم:"تأمَّل تقييدَه تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء"
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (3/ 332) ، دار الكتب العلمية، بيروت.
(2) انظر: السيوطي: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، (2/ 77) ، دار الفكر، بيروت.
(3) ابن العربي: أحكام القرآن، (1/ 315) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1416 هـ - 1996م.